الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 في المدينة التي كان يعيش فيها الفيلسوف سقراط كان هناك صبي من ابناء المدينة شغف بالعلم والمعرفة، وامتلأ اعجابا بشخصية الفيلسوف سقراط وقرر ان يصبح مثله. فاستجمع شجاعته ومضى قاصدا الرجل الذائع الصيت يعرض لديه حاجته، ويطلب منه معرفة الطريقة التي يصل بها الى المستوى الذي وصل اليه هذا الفيلسوف البارز. ولان سقراط كان قليل الكلام فقد اثر الا يتكلم بل ان يوضح للصبي بالطريقة العملية وبالتجربة الحية الخطة التي يسأل عنها والاجابة التي ينتظرها منه. اخذ الصبي الى الشاطيء وخاض في الماء مباشرة بكل ملابسه ـ وكان سقراط يقوم باشياء غريبة حين يحاول اثبات امر ما ـ فما كان من الصبي الا ان نفذ امر سقراط بحذر وخاض في الماء حتى وصل اليه، حيث كان الماء الى اسفل ذقنيهما. ودون ان ينطق بكلمة، مد سقراط يده، ووضعها على كتف الصبي، ونظر بعمق إلى عيني تلميذه ثم ضغط على رأسه تحت الماء بكل ما اوتي من قوة!! نشب صراع بين الرجل وطالبه يشبه الصراع ما بين الموت والحياة، وقبل ان يفقد الطالب حياته اطلق سقراط سراح أسيره، واسرع الصبي الى سطح الماء وهو ينشد الهواء، غير مصدق انه قد عاد الى الحياة من جديد!! اخذ الصبي المتعب يتلفت يمنة ويسرة باحثا عن سقراط مصمما على الانتقام لنفسه من معلمه الذي أراد به السوء. لكن ما اثار دهشته وحيرته ان سقراط كان ينتظر بشغف على الشاطيء، وعندما وصل الصبي الى الرمال صاح غاضبا: «لماذا حاولت قتلي»؟! وبهدوء وسكينة رد سقراط عليه سؤالا بسؤال من عنده: «يا بني، عندما كنت تحت الماء غير واثق من انك سترى الحياة مرة اخرى ما اكثر شيء كنت تريده في هذا العالم..؟! فكر الصبي قليلا ثم اجاب بهدوء، وبما يتفق مع البديهة: «كنت اريد ان اتنفس» فتبسم سقراط، ونظر الى تلميذه نظرة عميقة ثم قال: «آه، عندما ترغب في الحكمة والبصيرة رغبتك في التنفس، هنا ستحظى بالحكمة والبصيرة». ترى هل حبست انفاسك ـ ايها القاريء الكريم ـ وانت تتأمل هذه التجربة القاسية التي وضع الفيلسوف سقراط تلميذه النجيب فيها؟ هل رأيت كيف صور المعلم القدير للطالب الجاد منزلة الحكمة ابلغ تصوير، وكيف اتاح له بالممارسة العملية فرصة لا يمكن ان تتكرر ـ رغم قسوتها الظاهرية ـ لاكتشاف ضريبة الوصول، ومعرفة القيمة الحقيقية التي يتميز بها العلم دونا عن سائر الثروات والمواهب التي قد تتهيأ للانسان في مراحل حياته المختلفة؟ لقد اتاح سقراط للصبي ولنا جميعا ان نواجه انفسنا متجردين للحكمة ومتحيزين لها لنختبر نوايانا على ارض الواقع، ونتعرف على الثمن الذي سندفعه لنحوز الحكمة التي ندعي البحث عنها وقبل ذلك لنقف على مكانها في سلم الاولويات التي نفرغ لها الجهد والوقت ونحن طائعون مختارون؟ اين تقف المعرفة في خارطة البرنامج اليومي المزدحم بأشكال من الانشطة المفتوحة والمتنوعة، وما هي الادوات التي نطوعها لتحقيق هذه الغاية؟ ان الحقيقة التي يهرب منها الكثيرون ان اغلبنا يدعي وصلا بالمعرفة وشوقا اليها دون ان نأتي ببرهان على صحة هذا الادعاء الذي نصر عليه ونعلن عنه في كل مناسبة وحين!! وكلنا يدعي انه المخلص الغيور على عقله ووقته وعمله وانه لا يألو جهدا في ان يكون يومه خيرا من امسه وغده خيراً من يومه!! كلنا يدعي انه يثق بدور المعرفة في تجويد الحياة الانسانية، وبقدرتها على ايصال صاحبها الى القمة! نحن نرفع الايدي ـ طوعاً وبطيب خاطر ـ ونسلم لسقراط بانه ابدع في الدرس العملي الذي قدمه لتلميذه النجيب، وان الاختبار الصعب ـ رغم قسوته الظاهرية ـ وضع الطالب الشغوف بالعلم والتحصيل امام المنعطف الحقيقي الذي يفصل ما بين الادعاء الكاذب والرغبة الصادقة!! وكلنا يحييه على اخلاصه للعلم حين قرن بينه وبين الهواء واوحى لتلميذه بأن لن ينال الحكمة الا اذا اصبحت حاجته للعلم تماثل حاجته للهواء. لكن الثابت ان مقولة سقراط قد قطعت الطريق على المدعين الذين يجيدون القول، ويمتنعون عن العمل، وقدمت بكل أمانة وصفة شافية للنابهين وكشفت الدرب من اوله الى منتهاه في عبارة لا تحتمل الا تفسيراً واحداً لا ثاني له. فليس الصادق من يقطع حباله من التجربة الاولى لكنه الذي يواصل دون ضجر او شكوى. وكلما ازداد عدد المحاولات ازدادت التجارب غنى وثراء وقيمة، وأتيح للانسان المزيد من الكنوز التي تمتنع عن سواه. ترى اليس هذا هو الانصاف والعدل والحيدة؟ بلى.. وقد صدقت الايام فراسة سقراط وايدت حكمته الخالدة.