الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 يبدو ان كثيراً من مفردات قاموسنا الفني قد باتت غير صالحة للاستخدام الآدمي بعد أن دهمتها موجات متتابعة بدأت بالهرولة والهرجلة والبهدلة والجدولة..الخ..، وانتهت بالعولمة التي ابتلعت كل هذه المسميات وهضمتها، ثم افرزتها في اطار واحد، لتصبح «العولمة» عنوانا واحداً يجمع ما سبقها ويضيف اليه مبتكراتها الجديدة والمتجددة..! ــ في اطار العمل التلفزيوني مثلا كان هناك عمل فني معروف يطلق عليه اسم «مسلسل»، وكان هذا العمل ـ الذي بدأ اذاعيا ـ يشد اسماع وانظار الناس باعتباره عملا درامياً او كوميديا يحمل معنى او مضمونا ويؤديه فنانون ملتزمون، ثم دارت عجلة الزمن ونشطت «العولمة العربية» التي سبقت «العولمة الدولية»، بادئة بالإعلام ومشتقاته، ولم تفرق كثيراً بين ما هو «هادف» وما هو «هايف»، واضعة في اعتبارها الاول والاخير الجانب الاقتصادي باعتباره الركن الركين في دنيا العولمة، وكان ان دخل انتاج المسلسلات عالم «الميكنة» واصبحت مصانع المسلسلات تتسابق في معدلات انتاجها الشهرية لتغرق السوق بالمسلسلات المعلبة والمطبوخة والمجمدة والـ «تيك اواي» التي تملأ ارفف مخازن الفضائيات في انتظار المستهلك المشاهد، لا ينافسها في ذلك سوى المعلبات المكسيكية التي دخلت سوق المنافسة جنبا الى جنب مع المسلسلات العربية، وشيئاً فشيئاً تحول العمل الفني في ظل الميكنة والعولمة من «مسلسل» الى «مهلهل».. وهو الاصطلاح الذي تعود المشاهدون على استخدامه كلما «تجرعوا» حلقة من حلقات هذا «المهلهل» او ذاك..! ــ في اطار الموسيقى والغناء نشطت العولمة العربية ايضاً «بالمشاركة مع العولمة الدولية» في تصحيح المفاهيم المتخلفة التي سادت ايام «سيد درويش» و«عبد الوهاب» و«ام كلثوم» و«فيروز» و«وديع الصافي» وغيرهم، والتي ادعت ان الغناء يعني الطرب والاستمتاع والانسجام، في ظل صوت محترم يغني كلاما محترما من تلحين موسيقار محترم، واكد رواد ورعاة «العولمة الموسيقية» ان هذا التخلف يجب ان ينتهي، وان مهارة المطرب الناجح ليست في صوته بقدر ما هي في رشاقته ووسامته وخفة حركاته مشيا وقفزاً.. الى جانب ما يتمتع به من «ليونة» و«ميوعة» تحرك اوساط الشبان والشابات ليشاركوه انسجامه واندماجه، لا يهم بعد ذلك ماذا يقول.. ولا يهم ايضاً ما اذا كان صوته يصلح للغناء او للنداء، وهذا ما ينطبق ايضاً على المطربات «وهو اسم يحمل الكثير من التضليل والخداع» حيث لا طرب ولا يحزنون، الفارق الوحيد بين المطربة والمطرب هو اختلاف مؤهلات نجاحها «كمطربة» عن مؤهلات نجاح المطرب السابق ذكرها، وهي مؤهلات واضحة وبارزة، تختلف كما وتأثيراً بقدر حجم وكم وتأثير قطعة القماش التي يفترض ان تغطي «او لا تغطي» «اوتار» جسدها، والتي يطلق عليها مجازاً اسم «فستان»، وهو ذلك الشيء الذي يجعل المشاهدين يستمعون للمطربة بعيونهم قبل آذانهم حيث تصبح الحنجرة شيئاً ثانويا في عملية اسعاد المشاهدين، فكل جزء في جسد المطربة يغني، وتصبح المطربة فرقة فنية كاملة تجمع بين الرقص والغناء و.. وأشياء اخرى!! ــ اما عالم السينما والمسرح فحدث عنه ولا حرج، واذا سلمنا بان هذا العالم هو حاصل جمع فن الدراما وفن الموسيقى والغناء فانه بالتالي تصبح السينما في عصرها العولمي الجديد حصيلة منصفة لخيبة الامل في هذا وذاك، ويصبح «الابداع» في السينما والمسرح مكملا لـ «الابداع» في دنيا «المهلهلات» التلفزيونية، ويصبح «الابداع» الجسدي متمماً لـ «الابداع» الغنائي في عالم الطرب والموسيقى، نفس التوليفة مركزة ومنمقة وتحمل اسم «فيلم» او اسم «مسرحية» ويستطيع المشاهد من خلال اي منهما ان يستمتع في حوالي الساعتين بكل روائع «المهلهلات» وبكل ابداعات عالم الطرب الشبابي.. رقصا.. وقفزاً.. وشقلبة.. وعرضا للازياء.. بدون أزياء..!! هذا «التعولم» الذي حول المسلسل الى «مهلهل»، .. وحول ساحة الغناء الى ساحة للسيرك.. تتقافز فيها القرود ويصول ويجول فيها المهرجون، وتستعرض فيها فاتنات السيرك احدث موضات ورق التوت مشفوعة بآهاتهن الغنائية، هذا التعولم الذي قفز بالسينما من عصر «الابيض والاسود» والالوان الى عصر «الابيض والابيض»، فلا شيء في اشرطة سينما «التعولم» له لون او طعم او رائحة، يدخله «الزبون» ليخرج منه ومخه اكثر بياضا مما كان، لا شيء سوى التهريج الاجوف.. والضحك الابله.. والجنس الذي تخجل بعض الكاباريهات من عرضه، .. عملية مسح او غسل امخاخ الغلابة والمراهقين.. علهم بذلك ينسون او يتناسون واقعهم المطحون..!، هذا التعولم اللافني.. واللاثقافي.. واللاغنائي.. واللااخلاقي فتحت له فضائياتنا العربية الموقرة شاشاتها «على البحري» واستضافت نجومه ونجماته كأبطال في كل برامجها لتتعرف الاجيال الصاعدة على مشاوير «كفاحهم» التي قد ترشح البعض منهم للحصول على جائزة نوبل في مجالات «الهيافة».. او «التفاهة».. او «الرقاعة».. وما قد يستجد..!