الخميس 3 محرم 1424 هـ الموافق 6 مارس 2003 أربكتني كثيراً عبارة «أعذب الشعر أكذبه» لما فيها من تفخيم لآفة الكذب، وقلبها للأوضاع بمدح ما هو أهل للذم، وما يتبعها من إبراء لذمة الكذابين والمنافقين الذين هم يقيناً في الدرك الأسفل من النار، مصحوبين بلعنة أبدية في حياتنا الدنيا، كونهم مشعلي الفتن، وجاهزين دوماً لذم من ولت عنه الدنيا وأدارت له ظهرها، ومدح أي قادم جديد على بساط السلطة ومن ينتقل إليه صولجانها!! والشعر ديوان العرب، ومنجم الحكمة والبلاغة ولسان الفصاحة، والشعراء من فطاحل العرب صنو لفرسانهم الشوامخ، ومبعث التفاخر، لدرجة ان العرب في جاهليتهم لم يقدسوا شيئاً أورثوه لأحفادهم إلا المعلقات الشعرية السبع التي خلدت بعد زوالهم. ومهما يكن من أمر «الكذب» في قاموس الشعر، فإن أخلد وأنقى ما في الشعر ينافي الكذب كآفة أخلاقية، فإن أعذب الشعر لا يصدر إلا عن ذهنية صادقة في مشاعرها مرهفة في أحاسيسها، وبعد ذلك لا يهم إن تجاوزت الصور الشعرية ببلاغتها ضحالة الواقع، فهي تستشرف غير المرئي، وتستولد من الخيال واقعاً لم يتحقق بعد. على أن في صفوف الشعراء العرب من تفننوا وبرعوا في فن الكذب والنفاق، بعد أن ورثوا باباً واحداً من أبواب الشعر، وهو فن المديح والهجاء، وجعلوه باباً لدخول الدواوين المخملية للسلطة ، أي سلطة، فولاؤهم للكراسي بصرف النظر عن الجالس عليها، مثلهم مثل «صحفيون للبيع» أولئك المشرعة أقلامهم تحت شعار «عاش الملك.. مات الملك»!! وهم كُثر للأسف، كثمرة معطوبة لزمن الطغيان في قفازات حريرية. والكذب والنفاق ليسا مقصورين على الشعراء دون غيرهم من طوائف النخب المثقفة، فهناك مثقفون دانت لهم الشهرة والأبهة، ليس من باب الاسهام والابتكار الفكري، بل من باب البراعة في فن التزلف والتقلب مع تقلبات الزمن، والأكل على كل الموائد. ومن أشهر قصص كتيبة النفاق في حياتنا الثقافية، ما جرى لكثيرين منهم بعد رحيل جمال عبدالناصر، وبدء حملة واسعة للتشهير بفترة حكمه ومحاولة تلويث سمعته، وهي الحملة التي أنفقت فيها الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات، وتبيّن بعد أكثر من ربع قرن أن كل المنافقين زائلون، ودور عبدالناصر ومشروعه العربي للنهضة هو الباقي مهمازاً لأجيال لم تره، لكنها افتقدت ما كان يجسده للعرب من رمز للكرامة المهدورة الآن، فرفعوا صوره في مظاهرات تفريغ شحنات الغضب والاحباط. خلال تلك الأيام التي ازدهرت فيها صنعة الكذب الثقافي والنفاق الشعري في السبعينيات من القرن الماضي، خاض بعض ممن لا يختلف أحد على دورهم واسهامهم في تطوير حياتنا الثقافية في وحل نفاق المرحلة، لم يخرجوا منه إلا بثياب ملطخة وملوثة، لم ينفع في تطهيرها كل رصيدهم من العطاء، مثلما حدث للراحل توفيق الحكيم عندما تورط في اصدار كتيبه «عودة الوعي» كمنشور ثقافي للتشهير بميراث عبدالناصر، ورد عليه المفكر القومي محمد عودة بقنبلته «الوعي المفقود» وترنح الحكيم فاقداً رصانته والإجماع عليه حتى رحيله، وهو ما حدث بالمثل للصحفي الكبير أستاذ الأجيال جلال الحمامصي بكتابه «حوار وراء الأسوار» الذي ظل عاراً يطارده رغم مسيرته المهنية الجديرة بالاحترام. لكن ما أجمل أن يتطهر المثقف والأديب من أوحال التزلف بالاقتراب من بركان الحق، والاغتسال في نهر الحقيقة عندما تعانق يده الأيدي المخضبة بالعرق والكادحة من أجل حياة الوطن، لا تنتظر جزاء ولا شكوراً. ومن أجمل ما قيل مؤخراً من شعر حول الحملة الأميركية، ما جاء في قصيدة بغداد للشاعر عبدالرحمن الأبنودي الذي عاد يصرخ بصوت صديقه حراجي القط ويغتسل في مياه السد العالي: يا أمة قومي.. وانتي يا مصر ما تونيش قاعدين سنين تحلموا بظهور (صلاح الدين) ما كان بينكم قتلتوه انتو يا فالحين الحي ميت يا ناس أما اللّي ميت عاش!!