الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 تعبيراً عن التبعية البريطانية المضحكة لأميركا تخيل أحد رسامي الكاريكاتير البريطانيين الرئيس بوش واقفاً بجانب أحد مساعديه وأمامه توني بلير راكعاً في أول لقاء رسمي بين الرجلين. يسأل بوش مساعده: من هو هذا الرجل؟ يرد عليه المساعد: انه رئيس الوزراء البريطاني. يسأل بوش مجدداً: ولماذا هو راكع على الأرض؟ يرد المساعد: انه يركع تعبيراً عن العلاقة البريطانية الخاصة مع أميركا. حتى في العلاقة الخاصة بين أميركا وبريطانيا هناك عقلانية.. فبريطانيا عجوز شمطاء تتذكر ماضيها حينما كانت امبراطورية لا تغيب عنها الشمس بما تفعله أميركا. نعبر عما يجري بين البلدين أحياناً بمثل شعبي سفيه، وآخر مهذب يقول: «يموت الزمار وأصابعه تلعب». بريطانيا تتصرف بدافع من مصالحها كامبراطورية استعمارية بائدة تعود إلى ذاتها.. متخفية في عباءة الشقيق الأكبر أو الـ «بيج برازر» هذا الأمر لا يستحق سخرية. من يستحق السخرية من مواقفه هو نحن الذين نغيب عقلنا ونتصرف طبقاً لاملاءات عواطفنا.. ومع ذلك لا نسخر من ذاتنا. عن أخلاق العرب قال المستشرقون كلاماً كثيراً.. كثيره باطل وقليله حق.. ومن الحقائق التي قالوها اننا شعب عاطفي نتأثر بالخطابة.. تثيرنا العبارات الحادة والانفعالات النفسية. يزيد الطين بلة أننا في هذا الظرف التاريخي نحاصر نفسياً بين فكي كماشة. فنحن من ناحية أمة مغلوبة.. مغلوبة من الغرب، والنفس الانسانية، كما يقول ابن خلدون، تعتقد الكمال فيمن غلبها وتنقاد إليه.. لذلك يرى كثيرون منّا ان اتباع القيم الغربية هو السبيل للافلات من الوضع المأساوي الذي وصلنا إليه. ومن ناحية أخرى، نحن أمة مقهورة.. مقهورة بالأبوية، ومن صفاتنا التي يعددها أمين الريحاني، حب أبهة الملوك والشغف بالعظمة التي تتجلى في الحاكم واحترام سلطته، لذلك نتعاطف مع كل كلمة يقولها ولاة أمورنا دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن الحقيقة والتأكد من صدق ما نسمعه منهم. وحين نتعامل بنفسية المغلوب على أمره من الخارج، والمقهور في الداخل، نعيش حالة انسحاق.. ربما يكون السحق بجنازير الدبابات أهون منها، فارادتنا مستلبة، فيما الدبابات قادرة على سحق الأجساد دون الإرادات. ليس غريباً إذن أن تستحوذ الملاسنات التي حدثت أثناء القمة العربية الأخيرة على اهتمام الصحف ووكالات الأنباء، وان تظل مثار مناقشات حتى الآن، بينما لم تحظ مقررات القمة ذاتها، وهي الأهم، بالدرجة نفسها من الاهتمام. سيل من المقابلات التلفزيونية والمقالات الصحفية واستطلاعات الرأي تنشغل وتشغل الناس بما جرى، بينما آلة القتل الاسرائيلية تعمل بنشاط بالغ في الأراضي المحتلة، والحشود العسكرية تتوالى على منطقة الخليج. اختلاف الرأي بين القادة الغربيين يمر كأن شيئاً لم يحدث، فلا الصحف تدك بمدفعيتها الثقيلة مواقع الخصم، ولا تلجأ إلى كشف عوراته.. ولا السفراء يتم استدعاؤهم، ولا المؤسسة العسكرية تحتشد، لأن مشادة كلامية حدثت في القمة.. مجرد اتصال هاتفي أو زيارة كافية لتبديد كل الغيوم. لماذا يتعامل الغرب بتسامح بالغ مع الانتقادات الشخصية والملاسنات ويمررها كأن شيئاً لم يحدث، فيما نبدو نحن وأعصابنا فوق جلودنا.. أعصاب عارية لا يسترها شيء؟ لماذا لا تخضع السياسات الغربية للعلاقات الخاصة بين القادة، بل يتم طبخها بهدوء شديد وبنظرة استراتيجية بعيدة المدى فيما نحن نتقلب يميناً ويساراً؟.. إن تصادق قائدان دخلا ببلديهما في وحدة اندماجية، وان اختلفا دخلا في حرب إعلامية عاتية كل يستخدم صحفه وقنواته التلفزيونية ومعلقيه والمستفيدين من وجوده، دون أن يخرج قلم واحد ليقول لأي زعيمين مختلفين، ليس هذا وقت الخلاف، وكل مشكلة يمكن حلها بمناقشة عقلانية وليس بمناقشات عاطفية على شاشات الفضائيات، أو بحروب كلامية تستنفد الوقت والجهد والطاقات وتغيّب الناس عن القضايا الحقيقية والكوارث التي تنتظرنا. أظن ان السبب يكمن في غياب المؤسسات، وخضوع كل شيء في عالمنا العربي للأمزجة الخاصة، واختصار الشعوب في حاكم فرد أو حزب في السلطة.. يتصور الحاكم عادة أنه ان بقي بقيت بلاده، وان ذهب ذهبت. ما يحير المرء ايضاً تلك العلاقة التي تربط عموم الناس بالمسئول في وطننا العربي، فهناك حالة من الركوع والانسحاق غير مبررة. نحن يجب أن نحب حكامنا ونحترمهم ونجلّهم.. كل هذا لا ضير فيه. غير ان حبنا لأنظمة الحكم ليس «حب الحرائر» ـ على حد اعتقادي ـ وإنما حب الجواري. نتعامل كأننا ملك يمين زعاماتنا.. علينا أن نرضيهم بأي ثمن، مهما كان ذلك على حساب كرامتنا ومستقبلنا، فمستقبل الجارية في رضا مالكها، إن غضب باعها ببخس الثمن، وإن رضي عنها بامكانه أن يحولها إلى مليكة وسيدة أولى. لكن قادة العرب، أو أغلبهم، لا يرضون أبداً عن الجارية، وإنما يريدونها دائماً مستعبدة، تلبي رغباتهم، وترضي غرورهم، وعليها أن تتعامل مع جنونهم، وأحياناً شذوذهم. يقاتلون بجواريهم معارك وهمية، ويدخلونهن في مهاوي الردى دون أن تنطق احداهن ببنت شفة.. هم لا يريدون الجواري محررة أبداً، فلو تحررت الأمة لوضعت كثيراً من قادتها في مستشفيات المجانين.. أو عينت عليهم وصياً باعتبارهم قُصراً لا يجب أن تترك لهم حريات التصرف في ثرواتهم الشخصية، فما بالنا بثروات الأوطان ومستقبلها. لن تتحرر هذه الأمة وتنتصر وتعود لسابق عهدها، إلا لو ودعت كثيراً من الخرافات.. على رأس هذه الخرافات عواطفها التي يجب أن ترميها في أقرب سلة مهملات. العاطفة هي التي منعت الرئيس جمال عبدالناصر من عزل رفيقه عبدالحكيم عامر عن قيادة الجيش المصري قبل أن تقع كارثة 1967، فقد خشي الرجل بفروسية حالمة أن يقال انه عزل صديقه الذي وضع روحه على كفه ليلة الثورة جنباً إلى جنب معه.. لكنه حين وقعت الكارثة، أيقن ان صداقته هذه ستكون على حساب مصر، فاختار مصر بعقلانية شديدة، ودفن عواطفه في صدره، فهذا شأن يخصه هو، ولم يرتكب الوطن ذنباً حتى يدفع ثمن صداقاته أو عداواته الشخصية. بعد عبدالناصر أصبحنا ندفع كل بضع سنوات ثمن الصداقات والعداوات، حروباً وصدامات مع بعضنا أو مع جيراننا. للأوطان يجب أن نكرس كل حبنا.. ولها وحدها.. فالموت من أجلها حياة.