الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 المغزى الحقيقي ـ من وجهة نظر عربية ـ لموقف تركيا الحازم تجاه لعبة الحرب الاميركية، هو ان هذا الموقف يمثل تعرية للموقف العربي.. بمعنى ان مؤسسة الحكم التركية اصبحت تتعامل مع الولايات المتحدة على اسس التكافؤ والندية انطلاقاً من مبدأ المصالح الوطنية. بداية القصة كانت مساومة مالية بحتة كما بدا أول الامر. ففي مقابل مشاركتها في الحرب الاميركية على العراق بناء على طلب واشنطن طلبت الحكومة التركية تعويضاً مالياً مجزياً. هذه المطالبة مبررة تماماً. فقد تكبدت تركيا خسائر اقتصادية ومالية جسيمة بسبب تورطها في الحرب الاميركية السابقة على العراق عام 1991. وكانت الحكومة التركية آنذاك قد تلقت من ادارة بوش الأب وعدا شفاهياً قبل اندلاع الحرب بمساعدات في حدود 40 ـ 50 مليار دولار لتدفع الى انقرة عند نهاية الحرب. لكن بما ان تركيا لم تتلق حتى هذه اللحظة دولاراً واحداً من المبلغ الموعود فإنها هذه المرة ـ تحت حكومة استقلالية الطابع، اسلامية الجذور ـ اصرت انه في حالة موافقة الادارة الاميركية على اعطاء تركيا تعويضا مالياً مجزياً ان يكون الاتفاق مكتوباً. غير انه اتضح مع ذلك ان المطالبة التركية بمساعدات مالية تعويضية ليست سوى اقل البنود شأنا ضمن قائمة اعدتها حكومة انقرة تشتمل على 15 بنداً، وبدأت عملية تفاوضية صعبة ومعقدة انتهت الى اتفاق مبدئي بين الحكومتين رفضه البرلمان التركي. ان واقع الحال هو ان تركيا لا تريد حرباً اميركية على العراق.. واذا اصبحت الحرب الاميركية حتمية أو وقعت فعلاً فإنها لن تدخلها إلا اضطراراً. هذا ليس فقط موقف البرلمان الذي يسيطر على اغلبيته «حزب العدالة والتنمية» الحاكم بزعامة رجب اردوغان وانما هو موقف قومي يمثل اجماعا بين الحكومة والبرلمان ومجلس الامن القومي الذي يخضع لنفوذ مجموعة جنرالات الجيش ورئيس الجمهورية احمد نجدت سيزار.. ويلتقي في النهاية مع موقف الشارع الذي يرفض الحرب بنسبة اعلى من 90%. نقول بإيجاز ان الولايات المتحدة تكتشف الآن انها بازاء تركيا جديدة، لقد ولى عهد الحكومات التركية التقليدية. وكما قال رئيس البرلمان بولند ارينتش «وهو من حزب العدالة والتنمية» ليس بوسع واشنطن ان تأخذ موافقتنا على اي شيء كأمر مسلم به كما تعودت في السابق. ويبدو ان رياح التغيير الاوروبية بدأت تهب على تركيا ايضا. تركيا غير متحمسة للحرب لانها تخشى ان تفرز تفاعلات الحرب، خاصة اذا طال امدها، قيام دولة كردية في شمال العراق مما سوف يمثل نموذجاً ينبغي احتذاؤه من قبل اقلية الاكراد الآخرين في الجنوب الشرقي من تركيا وبمحاذاة الحدود العراقية.. بالاضافة طبعاً الى الخسائر الاقتصادية والمالية المتوقعة. الولايات المتحدة على الطرف المقابل تحتاج الى تركيا لاسباب لوجستية بالدرجة الاولى، فوفقا للخطة الاميركية لغزو العراق واحتلاله فإن الحرب البرية سوف تشعل في جبهتين في آن معا: جبهة جنوبية انطلاقا من الحدود الكويتية وجبهة شمالية انطلاقا من الحدود التركية، على هذا الترتيب يرى المخططون الاميركيون انه يمكن القضاء على النظام العراقي وقواته ـ عن طريق تشتيتها بين الجنوب والشمال ـ والسيطرة على بغداد في وقت وجيز. ولهذه الغاية فإن القوة الاميركية المقررة لاشعال الجبهة الشمالية تبلغ 62 الف جندي. ومع كره تركيا للحرب فإنها لن تستطيع ان تقف بمنأى عنها اذا اشتعلت. ففي غياب قوات تركية في الشمال العراقي فإن الفرصة سوف تكون سانحة لاكراد العراق لاعلان الاستقلال او على الاقل تثبيت ما يتمتعون بها حاليا من حكم ذاتي في ظل حكومة احتلالية اميركية في بغداد. نفهم من هذا لماذا ابدت الحكومة التركية تعنتا في العملية التفاوضية مع الولايات المتحدة.. اذ يبدو ان الحكومة التركية ترمي الى تخذيل اميركا عن شن الحرب اصلا عن طريق تقديم طلبات تعجيزية الى الجانب الاميركي. فبينما تعرض الولايات المتحدة مبلغ 16 مليار دولار على الجانب التركي كمساعدات تعويضية ما بين منح وضمانات قروض فإن انقرة تطالب بأضعاف هذا المبلغ. وتطلب انقرة ايضا ان تدخل قوات تركية شمال العراق تكون مستقلة تماماً عن القيادة العسكرية الاميركية. كما تطالب القوات الاميركية الغازية في حال اندلاع الحرب بنزع سلاح ميليشيات اكراد العراق. وتطالب كذلك بموافقة الولايات المتحدة في حال اشتعال القتال على ان تسيطر القوات التركية على حقول النفط العراقي في الشمال ـ كركوك والمواصل ـ تمهيداً لضمها الى السيادة التركية لاحقا. اللعبة الدبلوماسية لاتزال دائرة.. ولا نعرف على وجه الدقة كيف تنتهي. لكن في كل الاحوال فإن الثابت هو اننا نرى تركيا جديدة تمارس السيادة الوطنية ـ في التعامل مع واشنطن.