الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 يتساءل المواطن العربي في هذه المرحلة العصيبة والصعبة في تاريخ الامة العربية عن مدى تفاعل الاعلام العربي مع الازمة العراقية، وهل استطاع هذا الاعلام ان يقوم بدوره ومسئوليته ازاء الرأي العام العربي والرأي العالم الدولي، هل ألمّ هذا الاعلام بمفاصل الازمة المختلفة وهل استطاع ان يسلط الاضواء على تشعباتها ودروبها المعقدة ومختلف الاطراف الفاعلة فيها؟ ام ان الامر كان ومازال يتمثل في تغطيات سطحية لا تتعدى الوصف والسرد الخبري بعيداً عن استراتيجية اعلامية واضحة المعالم وعن دراسة متأنية تنبع من حملات اعلامية مكثفة ومتواصلة باستمرار؟ المتتبع للشأن الاعلامي العربي خلال الخمسين سنة الماضية يلاحظ ان العرب خسروا معاركهم الاعلامية الواحدة تلو الاخرى وفشلوا في التصدي ومواجهة الحملات الدعائية المغرضة والصور النمطية التي انتشرت في ربوع المعمورة تشوه وتحرف وتضلل صورة العرب والمسلمين كما عجز الاعلام العربي عن تسويق وتقديم الواقع العربي بحيثياته وغنائه وثرائه الى العالم، وهكذا انتشر الحقد والعنصرية ضد العرب واغلقت قنوات الحوار والتفاهم والتواصل. التعاطي مع الازمة العراقية بحاجة الى متخصصين في الشأن العراقي نظراً للرهانات المرتبطة بها وللمصالح المتشابكة للدول الفاعلة في النظام الدولي واهتمامها بالعراق ونفطه واهميته الجيوسياسية في الخليج والوطن العربي ولهذا فإن مجرد الاخبار والتقارير الاخبارية بدون دراسات وتحليلات ومتخصصين يفسرون الرهانات والتحديات والتداعيات للازمة العراقية لا يكفي لاعطاء القضية حجمها الحقيقي والرأي العام العربي والعالمي ما ينيره حول ازمة معقدة وخطيرة فالمخرجات الاعلامية لأي نظام اعلامي ما هي إلا انعكاس لهذا النظام وامكانياته وقدراته على التفاعل مع القضايا المطروحة محلياً وعالمياً. غياب الاستراتيجية ما يلاحظ على الاعلام العربي في فترة الازمات هو خنوعه واستسلامه لوكالات الانباء العالمية من جهة وعدم تحضيره للتفاعل مع الازمة بطريقة علمية مهنية واحترافية ونلاحظ في غالب الاحيان تداول نفس المختصين ونفس الوجوه لتحليل الوضع وتفسيره للرأي العام، ما يجري في ارض الواقع. وغياب الاستراتيجية الاعلامية يعود في غالب الاحيان الى موقف الدولة الرسمي الذي يكون في غالب الاحيان غامض او متذبذب وغير مستقر، وبذلك نلاحظ انعكاس هذا الموقف على مخرجات الآلة الاعلامية. وفي كثير من الاحيان تبقى هذه الآلة الاعلامية تنتظر الاشارة الخضراء من الجهات الرسمية في الدولة لتقوم بعملها، ففي الازمات نلاحظ تعاون الجهات الرسمية العديدة في الدولة مع المؤسسة الاعلامية حتى تكون الرسالة الاعلامية في المستوى المطلوب. فشبكة مثل سي. ان. ان مثلاً تتعاون مع البنتاغون والخارجية الاميركية ووكالة المخابرات الاميركية لتجمع المعلومات اللازمة والضرورية كذلك لتتعرف عن كثب على الرهانات والتحديات للمواقف والقرارات التي تتخذ من قبل الجهات الرسمية ومن قبل صناع واصحاب القرار. ان تغطية الازمات لا يجب ان تتم بطريقة روتينية مثل تغطية الاحداث اليومية التي يعرفها المجتمع سواء محلياً أو دولياً فانعدام الرؤية الاستراتيجية والرؤية الاستشرافية يؤدي الى غياب الحملات الاعلامية التي من المفروض ان تكون مدروسة ومستمرة وقائمة بصفة مكثفة في ازمة مثل الازمة العراقية، اما عن مراسلات المبعوثين الخاصين او المراسلين فتبقى مركزة على سرد الوقائع والاحداث بدون الاهتمام بالتحليلات والدراسات المعمقة التي تثير الرأي العام وتقدم له كل المعطيات الضرورية لفهم اعماق الازمة وتكوين رأي حولها. اما البرامج الحوارية والتي كثرت في السنوات الاخيرة في القنوات الفضائية العربية فتكون في غالب الاحيان عبارة عن صراع كلامي بين الخبراء والاستراتيجين ونلاحظ في غالب الاحيان عدم الاجابة على تلك الاسئلة التي تطرح في بداية البرنامج كما نلاحظ كذلك التركيز على «البهرجة والفلكلور» والحماس والاثارة اكثر من شرح الامور وتبسيطها وتقديمها للجمهور. وحتى لا نظلم الاعلام العربي يجب علينا ان لا نعزله عن الاطار العام الذي يشتغل فيه هذا الاعلام فالاعلام هو مرآة المجتمع ولا يستطيع ان يكون اكثر ديمقراطية او حرية من المجتمع الذي يعمل فيه ويتفاعل معه. مخرجات النظام الاعلامي العربي ما هي إلا انعكاس لمخرجات النظام السياسي واذا كان اداء هذا الاخير ضعيف لا يستطيع الاعلام ان يكون اكثر فعالية واكثر قوة منه. والاخطر في كل ما تقدم ان الآلة الاعلامية العربية رهينة الآلة السياسية ولا تتحرك إلا في حدود الخطوط المرسومة والمسطرة لها مسبقا من قبل السلطة، فعلاقة التبعية والولاء التام للسلطة قضت على مصداقية الاعلام العربي امام الرأي العام والشارع العربي، فضعف الاداء السياسي العربي محلياً ودولياً والمشاكل العديدة التي تعاني منها معظم الدول العربية والفجوة الكبيرة التي توجد بين السلطة والشارع انعكست سلباً على العلاقة بين المؤسسة الاعلامية والشارع العربي. اغتراب الاعلام نتيجة لكل ما تقدم افرزت الآلة الاعلامية العربية شارعا عربياً مغترباً ومغيباً، واذا شاهد العالم في الخامس عشر من فبراير الماضي مظاهرات عمت معظم عواصم الكون، فعواصم العالم العربي كانت تتفرج وتنتظر الحصول على تراخيص لتنظيم مسيرات والتي لم نر إلا القليل منها حيث كان متواضعا ومحتشما، واذا فشل الاعلام في التفاعل مع المشاكل اليومية للشارع وفي تسليط الضوء على اهتماماته وقضاياه فتكون النتيجة الحتمية المقاطعة والاغتراب والتهميش، وبذلك تضيع تلك الحلقة التي من شأنها ان تربط حرية الصحافة بالرأي العام والديمقراطية. فأزماتنا مع الاسف الشديد تتكرر ويبقى المتربص بنا هو الاقوى اعلامياً وبذلك هو المسيطر على الرأي العام وعلى عقول البشرية. وهكذا تبقى صورتنا بحاجة لمن يحميها ويدافع عنها ويقدمها كما هي وليس كما يشكلها ويصنعها العدو. يتساءل الكثيرون هذه الايام عن سلبية الشارع العربي وسطحية الاعلام العربي ولماذا هذه الحالة المتردية التي ينتقدها الجميع ويسخر منها، هذه السلبية في حقيقة الامر لم تأت من فراغ وانما هي نتيجة ا نعدام الرؤية الاستراتيجية لادارة الازمة والتعامل معها سواء على المستوى السياسي او المستوى الاعلامي. وقد اختلطت الامور وتداخلت بين الاعلام الخاص والعام وكأن لا فرق بين الاثنين، اما عن المؤسسات والجمعيات السياسية المختلفة المتواجدة في الساحة السياسية العربية وخاصة الاحزاب السياسية منها فإنها لم تختلف كثيراً سواء عن السلطة أو عن النظام الاعلامي نفسه. وهذا ما يفسر في حقيقة الامر سلبية وسطحية الاداء الاعلامي العربي بشأن الازمة العراقية. فاذا كان الموقف السياسي للسلطة من الازمة حذر فالموقف الاعلامي نجده اكثر حذراً فالامور اذا مرتبطة ببعضها البعض ولا يجب ان نعزل الاعلام عن محيطه العام، فإعلامهم نجده هجومي وقوي ويرتكز على مؤسسات سياسية قوية وفاعلة، واعلامنا مع الأسف الشديد ينطلق من موقف دفاعي تبريري سلبي يحاول ارضاء السلطة وتبرير مواقفها على حساب ارضاء الجماهير وتنوير الرأي العام بالحقيقة حتى ولو كانت نسبية. فإلى متى نبقى نخسر معاركنا الاعلامية؟ والى متى يبقى النظام الاعلامي العربي مغترباً، ضعيفاً وتابعاً وبعيداً عن هموم الشارع ومشاكله؟ ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة