الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 فليحفر كل عراقي خندقا في حديقته يسع عائلته، قالها الرجل بكل بساطة وهو ممسكا بسيجار كوبي في يسراه مخاطبا كبار قادته الذين لا اشك لحظة ان من بينهم من هو حانق منه متمنيا ساعة ذهابه. لا اعتقد ان الرجل يعي ما يقول، فمن ذا يقدر على حفر قبر جماعي لاطفاله؟ وهل القضية خندقا يقي عاديات الشظايا؟ ان المسألة اكبر من ذلك بكثير، لقد عانى العراقيون على مدى اثناعشر عاما من حصار جائر داخلي وخارجي، وانتظروا قصف القنابل في بيوتهم وانتظموا في صفوف طويلة بانتظار حصة الغذاء المقررة، واخرجوا من ديارهم في الشمال، وانتهكت اعراض حرائرهم في الجنوب، وتدخل الاتراك والايرانيون والغربيون في شئونهم، وتقسمت البلاد، ومنع الناس من السفر، وذل من كان عزيزا، واهينوا في مطارات العالم، وبيعت املاكهم بسعر التراب ومات اطفالهم لنقص الغذاء والدواء، وفتكت الامراض بشيوخهم وعجائزهم، ثم يقول لهم سيادة الرئيس : احفروا الخنادق في حدائق منازلكم !! سيحفرون، ثم ماذا؟ عندما استولى الشيوعيون على الحكم في الصين الشعبية، كانوا من حثالة الناس وارذالهم، فصدرت خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي مجموعة قرارات غريبة ذهبت بخيرة العقول الصينية الى الغرب، فقد امر الرئيس ماو بتشكيل مجموعات الحرس الاحمر التي كانت تتكون من قطاع الطرق والافاقين واللصوص وكانت تحاكم كل من تشك ان له صلة بالطبقة البرجوازية او اصحاب الاراضي، و تعاقب اساتذة الجامعات لانهم قالوا كلمة قد تكون مخالفة لكتاب ماو او لتصريح له، ونجحت الثورة الشيوعية في جعل الناس فقراء متساويين، وحشر المثقفون في معسكرات اعتقال لتحويلهم الى مواطنين صالحين، فكان جامع القمامة يحاضر المثقفين في الولاء الشيوعي وحب الثورة، واختلفت المقاييس وتحولت الصين الى سجن كبير لم يبق فيه الا من لايملك المال للهروب وهم كثر. لم تكن كوبا بأفضل وضعا، فكان الناس يفضلون ان تبتلعهم امواج البحر على ان يبقوا في دولة يساقون فيها الى البؤس كما تساق الاغنام الى مسلخها، ومن كان خارجها لم يمانع في القتال الى جانب اعدائها رغبة في رؤية نظام جديد غير الذي هرب منه. لقد انتشى الحاكم النازي هتلر بقوته وادخل دولته حربا كان في غنى عنها، وما هي سوى خمس سنوات عجاف حتى تحولت المانيا الى خراب وعملت نساؤها في بارات ومراقص ومواخير الحلفاء ليطعموا اطفالهم، وعمل ضباطها ومثقفوها وعلماؤها في رصف الطرق وتنظيفها تحت امرة من كانوا يكرهونهم ويقاتلونهم، واصطف الناس امام صغار العسكرييون الروس والانجليز بانتظار ساعة توزيع الطعام، واهينوا بسبب رغبة الدكتاتور هتلر في السيطرة على العالم. في غابر الايام حكم مصر الفاطمية رجل غريب الاطوار اطلق على نفسه الحاكم بامر الله، فكان يأمر الناس بعدم اكل الملوخية، ثم اصدر قرارا بأن ينام الناس نهارا ويعملوا ليلا، ثم نزل عليه الشيطان ليصدر مرسوما يأمر فيه الناس بقتل القطط والكلاب، ثم تبعه مرسوما اخر يأمر فيه الناس بالسير حفاة، حتى يئس الناس منه ومن قراراته، التي اودت بالبلد ومقدراتها، وانتشرت المجاعة وعم الناس البؤس، حينها قرر مجموعة من الشجعان ان يتخلصوا منه فكان ان قتل على سفح جبل المقطم، وهرب اتباعه الى الشام ليبشروا بدين جديد ويجعلوه الها يوحى اليه من السماء، ولكن مصر المحروسة كانت قد تحررت من اسرها حينئذ. إن تاريخ العالم مليء بشخصيات غريبة الاطوار تشبه الحاكم بأمر الله، تضع عروشها على اعناق شعوبها، يجمع بينها عدم اهتمامها بمعاناتهم، وفي نظرهم ان الشعوب لاتصلح سوى لمظاهرات التمجيد او لسماع الخطب وتنفيذ الاوامر لا اكثر. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com