الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 مرّ المؤتمر الذي عقدته حركة عدم الإنحياز في كوالالمبور الأسبوع الماضي من دون ان يترك اثراً مهماً، لا بالنسبة لحدث انعقاد المؤتمر في حد ذاته، بعد خمس سنوات على انعقاد المؤتمر السابق (1998) في مدينة دوربان بجنوب افريقيا، ولا بالنسبة للموضوعات التي ناقشها، وابرزها موضوع العراق، والملف النووي لكوريا الشمالية، ومكافحة الارهاب الدولي. بل إن اللقاء الذي تم بين الدول المنتمية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي في اعقاب مؤتمر الحركة وتم التركيز فيه على الوسائل التي يمكن ان تحول دون شن حرب على العراق، احتل حيزاً اكبر في وسائل الاعلام العالمية نظراً لتطرقه الى احتمال استخدام «سلاح النفط» بهدف الضغط على «معسكر الحرب» لحمله على تغيير موقفه وإعطاء فرصة أكبر لمعالجة المشكلة العراقية عبر الوسائل السلمية. ـ ماذا يمكن استنتاجه من ذلك؟ ـ لابد من الاشارة اولاً الى ان حركة عدم الانحياز تضم 116 دولة تشكل تلثي اعضاء هيئة الأمم المتحدة. وهذا يعني ان هذا التجمع العالمي الواسع، الذي لعب دوراً بارزاً على الصعيد العالمي منذ منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وحتى نهاية الثمانينات، تاريخ سقوط الكتلة الاشتراكية وبقاء الولايات المتحدة قوة وحيدة مهيمنة على العالم كله، ربما لم يعد قادراً على ان يلعب دوراً سياسياً يوازي حجمه العددي والديمغرافي. ومع ذلك، فان استمرار الحركة في تصديها لمشكلات كبرى تواجهها بعض مناطق العالم بين الحين والآخر، يعكس حقيقة الشعور بوجود خلل على الصعيد العالمي يستوجب التصحيح والتصويب من جهة، كما يؤكد ان الروابط التي جمعت اطراف الحركة على مدى العقود الماضية لاتزال حالمة لايجاد قواسم مشتركة فيما بينها من جهة اخرى، فما الذي تستطيعه الحركة فعلياً؟ وأين تكمن قوة تأثيرها؟ عندما تشكلت حركة عدم الانحياز في منتصف الخمسينيات، كان دافعها الرئيسي، وكما يدل عليه اسمها، ان تقف في موقع وسط محايد بين القطبين العالميين: الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأميركية، وفضلا عن شرعية هذا الدافع واهميته السياسية في حد ذاته، فان مصدر قوة الحركة تأتي ايضا من اهمية الدول التي تقودها وتحتل مركز الصدارة فيها، وهي الهند ومصر ويوغوسلافيا واندونيسيا والجزائر ودول عديدة اخرى لعبت ادواراً بارزة على الصعيد الاقليمي والعالمي في تلك المرحلة التي بلغ فيها الصراع الدولي ذروته بين القوتين العالميتين الرئيسيتين. كذلك فان القاعدة السياسية التي ارتكزت اليها الحركة كانت مناهضة الاستعمار والعمل على تحقيق الاستقلال الوطني للعشرات من الدول في آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، فضلاً عن الاهتمام، بالتنمية الاقتصادية والانتقال من مرحلة الاعتماد المطلق على الدعم الخارجي الى مرحلة بناء الاقتصادات الوطنية وما يتطلبه ذلك من استحداث مؤسسات اقتصادية واجتماعية فاعلة واقامة بنى تحتية حديثة. وقبل هذا وذاك امتلاك القرار السياسي المستقبل. تراجع تدريجي وتأسيساً على كل ذلك فان النفوذ الذي حققته الحركة في مرحلة انطلاقتها الأولى، كان لابد ان يتراجع تدريجيا مع تبدل الظروف السياسية الدولية من ناحية، وحدوث تغييرات داخل العديد من دول الحركة نفسها من ناحية ثانية. على ان ابرز التغييرات التي حدثت، ولو في مرحلة متأخرة، تمثل في سقوط الاتحاد السوفييتي وكتلته الاشتراكية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، الأمر الذي ترتب عليه احتفاظ الولايات المتحدة وحدها بزعامة العالم، تم تولد معطيات سياسية جديدة ينبغي التعامل معها بحركية مختلفة. هذا التطور كان لابد ان يعقبه سؤال مهم: «عدم انحياز».. ولكن.. بين من ومن؟ ومع ان الجواب يبدو واضحاً، من الناحية الشكلية على الأقل، لكن الدول المنتمية الى الحركة أدركت في الوقت ذاته انها قد تكون بحاجة، وربما اكثر من السابق، الى تعزيز اللحمة فيما بينها حتى لا تسقط جميعها ضمن دائرة النفوذ الأميركي المغلقة، بفعل الأمر الواقع الناشيء عن الاحادية القطبية التي تجسدها الولايات المتحدة. وكما كان الحال من قبل، فان حركة عدم الانحياز واصلت لعبتها الناجحة بالتكتل داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة والوقوف خلف عدد من القضايا التي تتصل بمصالح اعضائها، او بقضايا دولية عادلة تحتاج الى من يدعمها، خلافاً لرغبة واشنطن وتحدياً لارادتها. وهكذا.. فقد ركزت حركة عدم الانحياز نشاطها في اتجاهين رئيسيين: ـ الاتجاه الأول، تمثل في حمل الأمم المتحدة على اتخاذ قرارات واضحة، لاسيما بالنسبة للقضايا التي يتعذر تمريرها في مجلس الأمن الدولي بسبب المعارضة الأميركية المتعسفة والتهديد باستخدام حق النقض (الفيتو)، على غرار ما حدث في شأن العديد من القضايا الخاصة بالشعب الفلسطيني وكفاحه ضد الاحتلال الاسرائيلي وممارساته العدوانية، وفي شأن الصراع العربي ـ الاسرائيلي في صورة عامة. والى ذلك فان هناك ستاً من دول الحركة اعضاء في مجلس الأمن الدولي (في الوقت الراهن). وهذه الدول، التي سيكون لها كلمة حاسمة في التصويت على مشروع القرار الأميركي ـ البريطاني ـ الاسباني، الخاص بالعراق، هي التالية: انجولا، سوريا، باكستان، تشيلي، الكاميرون، غينيا. وتتعرض الدول المذكورة لضغوط شديدة من الإدارة الأميركية للتصويت لمصلحة مشروع القرار. وهذا الموقف قد يتكرر في المستقبل، وستنشأ عنه، بالضرورة، نتائج بالغة الاهمية. ـ والاتجاه الثاني، تحويل المؤتمرات الدولية التي تعقدها الحركة الى تظاهرات سياسية عالمية يجرى التركيز فيها على ابراز قضايا معينة واتخاذ مواقف موضوعية منها، بحيث تحتفظ الحركة بتميزها وبعدم تبعيتها للقوة العالمية المهيمنة. وعلى سبيل المثال، فقد وجهت قمة كوالالمبور اتهاماً الى الولايات المتحدة باستخدام الحرب ضد الارهاب ذريعة للتهديد العراقي ذلك ان ثلاثاً من الدول المنتمية الى حركة عدم الانحياز، وهي العراق وايران وكوريا الشمالية، تصنفها الولايات المتحدة بأنها تشكل «محور الشر» ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة ان تدافع الحركة عن الدول المنتمية اليها وتأكيداً لهذا التوجه فقد دعت القمة المذكورة الى معالجة المشكلة العراقية في اطار مجلس الأمن الدولي وحده واعطاء فرصة كافية للمفتشين الدوليين لانجاز مهمتهم في العراق، وهو ما ينسجم مع الموقف الذي يطرحه معسكر السلام بقيادة فرنسا والمانيا. وفيما يتعلق بالملف الكوري الشمالي، اعتمدت قمة كوالالمبور صيغة تدعو الى اجراء حوار ثنائي بين بيونغ يانغ وواشنطن لتسوية المشكلة الناشئة عن انسحاب كوريا الشمالية من معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية، مما يشكل استجابة لمطلب كوريا بعدم تدويل المشكلة وحلها عبر الحوار الكوري ـ الاميركي المباشر وفيما يتعلق بالارهاب كان ثمة اتفاق واضح بين المجتمعين على رفض هذه الظاهرة وابداء الاستعداد الكامل للتعاون في مكافحتها، ولكن من دون استغلالها كما تفعل اسرائيل حيال الشعب الفلسطيني ومقاومته الوطنية المشروعة، وكما تفعل الولايات المتحدة نفسها حيث تحاول فرض مزيد من الهيمنة على العالم عبر القوة ووسائلها المتعددة. الاقتصاد والتنمية برغم محدودية التأثير الفعلي لحركة عدم الانحياز في مجال صياغة السياسات الدولية الرئيسية في عالم القطب الواحد، فإن ثمة حاجة الى استمرارها كهدف سياسي متميز لكن الأهم من ذلك هو مواصلة عملها لتوسيع نطاق برامج التنمية سواء داخل دولها او على مستوى العالم كله فهناك حاجة دائمة الى بذل المزيد من الجهد، ومن الضغط على المؤسسات المالية الدولية، وخصوصاً على الدول الغنية، لتقديم دعم اكبر للدول الاقل نمواً، او الاكثر فقراً ذلك ان ربع سكان مناطق العالم النامية يعيشون على اقل من دولار واحد في اليوم، واكثر من النصف يعيشون على اقل من دولارين في اليوم وتشير الارقام الى انه في السنوات الثلاثين المقبلة سيزداد سكان هذا الكوكب بحوالي ملياري شخص جميعهم تقريباً في البلدان النامية. وكان رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون اعلن ان «احداث 11 سبتمبر 2001» حطمت الجدار الوهمي الذي يسمح لأقل من 20 في المئة من سكان المعمورة بالانفراد بأكثر من 80 في المئة من ثروة العالم ومصادره، وسمح لوقت طويل باعتبار العنف والحرمان وانعدام المساواة مسائل لا تعني سوى الدول الفقيرة والضعيفة. وانتقد ولفنسون الولايات المتحدة لانها خفضت نسبة المساعدة التي تقدمها من 0.2 في المئة (من الناتج الاجمالي) في الثمانينيات، الى 0.1 في المئة العام الماضي. وبالارقام، يتبين ان المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة حالياً للدول النامية تبلغ نحو 9 مليارات دولار فقط، في حين يقدم الاتحاد الاوروبي 24 ملياراً وبالمقابل فإن مئات مليارات الدولارات تنفق على شئون التسلح والاعمال العسكرية، كما تبين الاستعدادات الجارية حالياً لغزو العراق، وكما تدل برامج التسلح الصاروخي الباهظة الكلفة. ان الاهتمامات الرئيسية لحركة عدم الانحياز لابد ان تتوجه نحو شئون التنمية ومعالجة المشكلات الاقتصادية المتفاقمة الخطورة ومن هذه الناحية على وجه الخصوص سيكون امام الحركة الكثير مما ينبغي عليها ان تفعله، حتى ولو لم يحظ هذا النشاط بالتغطية الاعلامية المطلوبة. على ان ما ينبغي تسجيله دائماً لمصلحة الحركة هو انها تحاول، بقدر استطاعتها تكريس نوع من التوازن داخل الامم المتحدة وذلك بحشد اكثرية دولية واضحة وراء القرارات المعروضة على الهيئة العامة للمنظمة الدولية، خلافاً لما هو عليه الحال في مجلس الامن، حيث تتحكم الولايات المتحدة بهذه المؤسسة وبكل القرارات الصادرة عنها. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا