الاربعاء 2 محرم 1424 هـ الموافق 5 مارس 2003 اين يقف الاعلام المكتوب من قضايا الناس؟ وما هي المساحة التي يخصصها للتواصل مع حاجات القراء لكي يمارس دوره المنتظر في متابعة الواقع ورصده وتسليط الضوء الكافي عليه لينال حظه من العناية والاهتمام؟ ان اجابة هذا السؤال صعبة وقاسية وتبعث على الشعور بالقلق وتثير مشاعر الخوف اذا ظل الموقف العملي لتلك المطبوعات اليومية والدورية على هذه الصورة التي نراها اليوم. فلم يعد سراً ان الاعلام المكتوب ـ رغم خدماته الاخبارية الجيدة ـ لم يعد معنياً بمتابعة ما يجري في المجتمع المحلي بعد ان اولى القضايا السياسية جل اهتمامه وأفرد لها مساحة هائلة من التغطية اليومية المكثفة، وكان ذلك ـ مع الاسف ـ على حساب المشاكل الداخلية مما جعل كفة الميزان تميل بشدة نحو قضايا الامن على المستوى الخارجي بينما عانت قضايا المجتمع من اهمال ترتبت عليه نتائج بالغة الخطورة اضعفت من فاعلية الكثيرين، واسلمتهم الى مشاكلهم وازماتهم التي لم يجدوا لها حلا ولم يتجاوب معها الاعلام. وقد انتجت هذه السياسة الاعلامية الاحادية البعد قرَّاء نشطاء اعادوا تأدية الدور الاعلامي المكتوب شفويا، وتطوعوا ـ مشكورين ـ لاخبار من لا يعلم بما جرى وكان من احداث يموج بها العالم وتضطرب بها الحياة، مما ادى الى تسرب مفاهيم قاصرة الى عقول الكثيرين عن فاعلية وسائل النشر في رفع مستوى وعي الجمهور، مع ان النتائج تؤكد ان الفاعلية محدودة، وان مجمل الدور الذي يقوم به الاعلام المكتوب هو رفع الجهل عن القاريء واعلامه اولا بأول عن القضايا الساخنة في المنطقة وفي العالم، لكن هذا الاداء الجيد لا يكفي لاعفائه عن الانتقال من مستوى نشر الوعي المعرفي حول قضايا معينة الى تقديم رؤية شاملة للحياة العامة بشتى الوانها وظلالها، وبتفاصيلها الداخلية التي تستحوذ على النصيب الاكبر من اهتمامات الفرد، ويحتاج ازاءها الى مصادر دعم تعرفه بأفضل الممارسات التي تبلغه النجاح الذي يريد. ان النضج السلوكي للافراد هو احد المؤشرات الدالة على ان الاعلام يسير في الاتجاه الصحيح ويقوم بدوره في رفد جمهوره بالافكار الخلاقة المنتجة التي تعزز من فاعليتهم، وتهييء لهم المناخ المعرفي الشامل الذي يفتقدون اليه. وان تخلي الصحافة عن اداء هذه المهمة دليل على هامشية الدور الذي تؤديه ومحدودية الاثر الذي تتركه على أرض الواقع مما يستدعي المراجعة والتقويم، واكتشاف اسباب الخلل للوضع القائم. لكن الرياح تجري بما لا يشتهي العارفون!! فالمسئولون عن وضع الخطط الاعلامية ابعدوا النخب المثقفة والتربويين والباحثين الاجتماعيين عن المشاركة في وضع الخطط والبرامج التي ترفع من مستوى التواصل بين المطبوعة الاعلامية وبين الجمهور، وتقدم ثقافة جادة تحترم عقل القاريء وتكسبه ثقافة منوعة وشاملة وممتعة في الوقت نفسه. واستبعاد هؤلاء ليس من مصلحة المجتمع، ولا يؤدي في النهاية الا الى تكريس التجاوزات الشنيعة التي تصدر من كثير من الجهلاء نتيجة غياب التوعية الصحيحة، والتثقيف المستمر الذي غدا مطلبا يتيما، وحلماً مفقوداً، وجنة لا مكان لها على صفحات المطبوعات، واملا محكوما عليه بألا يرى النور طالما ان ثمة اسقاطا لهذا المطلب، وانصرافا كليا عن مجرد التفكير به من قبل اصحاب القرار الاعلامي. والمطلب الحيوي الذي نتمنى ان يلتفت اليه مسيسو الاعلام المكتوب هو ان يتوفر لدينا «اعلام شامل» ينظر بعينين ويسمع بأذنين ويسير على قدمين ويتحدث بلغة يفهمها الجميع!! ترى ألم يأن الاوان بعد الى ان تعود الصحافة الى حضن المجتمع بعد ان حلقت بعيداً في سماوات مفتوحة لم يستفد منها القاريء العادي بشيء؟ اليس من الواجب ان تقرأ الصحافة الواقع المحلي ليس قراءة اولية متعجلة وانما قراءة متأنية تعيد تقديمها من جديد الى القراء بوجه يليق بصحافتنا التي نثق بإمكاناتها، وبقدرتها على تقديم المزيد؟! اسئلة مفتوحة اعياها البحث عن اجابة او نصف اجابة وظلت معلقة في الاذهان حتى اشعار آخر!!