الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 ترتيب أم صدفة؟ طوال زياراتي للأقصر منذ فتوتي وحتى بداية خريفي كانت اقامتي في الشرق، منذ سنوات اكتشفت الاقامة في الغرب فبدأت أهيم بالمكان. الشرق منبع الشمس ومطلعها، وبالتالي كانت القصور والبيوت والمعابد العظمى ناحيته، كافة مظاهر الملك والسلطة والاستعراضات الدنيوية، أما المراقد الأبدية سواء للملوك، او النبلاء، أو موظفي الدولة، أو الفنانين الذين نحتوا ورسموا وأيضا المعابد الجنائزية فمقرها الغرب. هل هي الصدفة ان أختار الغرب في هذه المرحلة من العمر حيث ما تبقى أقل بكثير مما مضى؟ لا أدري، لكنه ذلك ما خطر لي اثناء اتجاهي لعبور النيل قادما من المطار صوب الجنوب، حيث الجسر الضخم الذي أقيم منذ عدة سنوات قليلة يمتد على مسافة خمسة كيلومترات حتى لا يؤثر في المدينة والبر الغربي، لكن التأثير بدأ يقع بالفعل، المباني الخرسانية بدأت بالظهور، وكذلك الفنادق الكبرى بالغرب، صحيح ان بعضها على درجة رفيعة من الذوق والفخامة، لكن لقرون طويلة ظل المبدأ مستقرا، كل الفنادق الضخمة في الشرق فقط، والآن يتجاور عدد منها مطل على النيل، لم يكن في الغرب الا الأهالي الذين استقروا منذ حقب بعيدة، واستراحات مفتشي الآثار، أشهرها استراحة كارتر التي تقوم فوق ربوة مرتفعة قرب مدخل وادي الملوك، تبدو بطرازها المعماري أقرب إلى أسلوب المهندس حسن فتحي، مواد البناء من المنطقة، القباب التي تساعد على احتمال حرارة المناخ في الصيف. كنت أفضل ان يظل عبور النيل إلى الغرب بالوسيلة نفسها التي استمرت لآلاف السنين، القوارب، سواء كانت تتحرك بالمجاديف أو الأشرعة، أو الماكينات الحديثة. عبور النيل بالقوارب له معنى رمزي، انه المصدر الذي أوحى للقدماء بعبور الشمس للسماء في قارب، كذلك الليل. القارب رمز الانتقال من ضفة إلى أخرى، من لحظة إلى لحظة، من مرحلة إلى مرحلة، كثيرا ما سألت نفسي: لماذا لم يشيد المصريون القدماء جسورا فوق النيل؟ بالتأكيد، لم يكونوا عاجزين فنيا، اولئك الذين شيدوا هذه العمائر الضخمة، الأهرام المعابد، قصور ملايين السنين المحفورة على أعماق كبيرة تحت الأرض، في صخور الجبل ألم يكن بوسعهم ان يقيموا جسورا حجرية على النيل؟ بالتأكيد، اذن.. لماذا لم يقدموا. لماذا لم يفعلوا؟ حتى الآن لم أجد سببا مقنعا، فسرت الأمر بداية بتقديسهم للنيل واعتماد القوارب وسيلة وحيدة للعبور حتى لا يمشى الانسان فوق المياه مصدر الحياة بقدميه مرتديا حذاءه، لكنني قلت ان هذا مجرد افتراض لا سند له في الشواهد التي أراها على الجدران، ولا يوجد نص يوحي بذلك. كذلك لم أقتنع بما ذكره لي صديقي الدكتور عبد المنعم عبد الحليم سيد أستاذ التاريخ المصري القديم عندما سألته، قال ان الحركة لم تكن على درجة من الكثافة تقتضي انشاء جسور، حتى الآن الأمر موضع تساؤلات عدة وعلامة استفهام لا تزال دون جواب. في عام ستين نزلت الأقصر لأول مرة.كنت منضما إلى فريق الكشافة في المدرسة الثانوية الفنية التي التحقت بها. وفي اجازة منتصف العام تم تنظيم رحلة إلى الأقصر كانت الرحلات المدرسية جزءا من المنهج التعليمي، من التثقيف بدأت في المرحلة الابتدائية إلى الأماكن التقليدية، القناطر الخيرية التي كانت نائية نسبيا بمقاييس الوقت، وبها مساحات شاسعة من الخضرة، أهرام الجيزة ومنطقة سقارة التي مازلت أحتفظ في ذاكرتي بألوان زاهية لسقف مقبرة مرصع بالنجوم الذهبية على خلفية سوداء عميقة مائلة إلى الزرقة، تماما مثل مقابر الملوك والملكات، كانت المقبرة مرقدا أبديا وموجزا للكون السقف صورة للسماء، والأرض عليها رموز الحياة كذلك الجدران، بل ان التابوت نفسه الذي يرقد داخله الجسد المحنط يحتوي على نفس الرموز، فكأن الانسان في أقصى درجة للعدم يتصل بأعماق الكون ورموزه، هكذا تبدو المحاولة. من سقارة مازلت أحتفظ في ذاكرتي بلون النجوم الذهبي وسواد السقف، لكن اسم المقبرة ضاع مني، وما لا اسم له لا وجود له، لكم ترددت على سقارة وزرت المقابر المعروفة وغير المسموح بزيارتها،لكنني لم أوفق قط إلى هذا السقف الرائع الذي علق بذاكرتي. كانت زيارتي للأقصر عام ستين أول تجاوز لبلدتي إلى الجنوب، كان الجنوب ينتهي بالنسبة لي في جهينة مسقط رأسي، وكنت أظن أنها الأبعد وآخر حد الجنوب، كنت أسمع عن سوهاج، وجرجا، ودشنا والاقصر، لكنني ظننت أنها في اتجاهات أخرى، عدا أسوان التي ارتبطت عندي بالنفي والاقصاء، كان الموظفون المغضوب عليهم ينقلون إلى الجنوب كعقاب، هكذا عومل الصعيد كمنفى للأسف،وقد مرت الأيام وعرفت شخصيا النفي إلى الجنوب ولهذا تفصيل سأذكره يوما. في رحلتي، بعد ان تجاوزت الأقصر، توقف القطار في بلدة أسمها دراو، كنت أطل من النافذة عندما سألني أحد أهالي البلدة الواقفين فوق الرصيف. ـ من أي بلدة أنت؟ قلت باعتزاز: ـ من جهينة.. هز رأسه قائلا: ـ آه.. من بحري! ـ بحري؟، كيف تكون جهينة من بحري؟ كيف أكون من بحري؟ أنا الذي أعتبر نفسي صعيديا صميما، لأول مرة اكتشف نسبية الأشياء، فما أعتبره أنا جنوبياً، يكون بالنسبة له شمالياً، لا حدود للمكان، ولا علامة نهائية، الأمر دائما نسبي. في هذه الرحلة أقمت بالأقصر مع زملائي في مدرسة ثانوية لا أذكرها، كان بفصولها أسرة مفروشة مريحة، وعلمت ان المدرسة تستعد لاستضافة المتسابقين في سباق طويل بدأ من احدى الدول الأفريقية بالدراجات وأنهم ينتسبون إلى دول مختلفة، أقمنا ليلتين قبل وصولهم، والطريف أننا عندما وصلنا إلى أسوان أقمنا في مدرسة أعدت لهم أيضا.ولكننا وصلنا بعد رحيلهم، نمنا في مواضع رقادهم في أسوان أتيح لي أن أحضر لحظة تاريخية بحق، عندما ضغط الرئيس جمال عبد الناصر زر التفجير الذي كان ايذانا بانطلاق العمل في السد العالي.هذا يوم يمكنني تحديده، انه التاسع من يناير عام ستين. في الأقصر وأسوان أقمت في الشرق. كنت أسعى بين معبدي الأقصر والكرنك سيرا على قدمي، منذ تلك الأيام بدأت صلتي بالأقصر وأسوان. في جميع زياراتي كنت أقيم بالشرق.نهارا أعبر النهر في المعدية أو القارب الشراعي إلى بداية الطريق المرصوف المؤدي إلى مزارات البر الغربي، وقبل المغرب أعود لأمضى الليل في الشرق.وهذا ما يفعله معظم السائحين والزوار من المصريين والعرب. أقمت في فنادق عديدة، بدءا من المتواضعة إلى الفاخرة. منذ سنوات، بالتحديد بعد عام ستة وتسعين، العام الذي شهد بدء ترددي على الآثار المصرية القديمة بكثافة لكي أعاين على ضوء ما قرأته خلال سنوات مضت، بعد ان استوعبت الرموز وأصبحت متمكنا من فك بعض طلاسم اللغة والتواصل مباشرة مع النصوص العتيقة بدون وسيط.في هذا العام أخبرت صديقي الحميم الدكتور أحمد الطيب، عميد كلية أصول الدين بالأزهر، فرع أسوان، في ذلك الوقت، مفتي الديار المصرية الآن، أخبرني انه من الممكن ان أقيم في البر الغربي وأن أتجنب مشقة الانتقال اليومي طالما انني أبدأ زياراتي للآثار في ساعة مبكرة قبل الشروق، خاصة في شهور الصيف. هكذا فتح لي باب جديد للمعرفة وللراحة. في القرنة يقوم بعض الأهالي بتأجير غرف من بيوتهم، أعدوها بشكل جيد، تجمع بين النظافة والبساطة، فالأسرة والأثاث من جريد النخيل، يسمى الفراش هنا ( عنقريب) والسرير يبدو متينا، لكن له فائدة أخرى، أو يصعب على العقارب تسلق جريد النخيل، البيوت مشابهة تماما للبيت الذي ولدت فيه بجهينة، ومن هنا مصدر سعادتي، النخيل كثيف، والطبيعة لا تزال محتفظة بعناصرها الأساسية. اللون الأخضر يجاور الأصفر، تماما مثل سائر بلدان وقرى الصعيد، الحد الفاصل بين الحياة والموت، بين الأخضر والأصفر رصيف جدا، بل يمكن الوقوف بينهما قدم هنا وقدم هنا، مجرد خطوة، نقلة يسيرة، ألا يشبه الأمر الحياة والموت؟ من هنا مصدر المضمون الروحي لمصر القديمة، ذلك المضمون الذي قدمته إلى العالم.غير ان القرنة بها خاصية لا توجد في مناطق أخرى على هذه الدرجة من القرب، انه الجبل، البيت الذي اعتدت النزول فيه يقوم على جزء من معبد امنحتب الثالث، أحد أعظم ملوك مصر القديمة، والد اخناتون الشهير، من الطابق الذي أقيم فيه أرى التمثالين الهائلين لامنحتب الثالث، عرفها اليونان باسم ممنون، وتقول الرواية القديمة ان صفيرا يشبه الموسيقى كان ينبعث منهما عند الفجر، ثم توقف بعد احدى عمليات الترميم. عادة كانت التماثيل توضع أمام المعابد، من وضعهما يمكن تحديد اتجاه المدخل، كان أضخم المعابد في البر الغربي، ولم يتبق منه إلا هذين التمثالين وأحجاراً متناثرة هنا وهناك اعتدت تأملها قبل الشروق، لكن عند الغروب أولى وجهي صوب الغرب حيث الغروب الصريح، السريع. الواضح للشمس، الجبل يقوم أمامي، فوقه تناثر البيوت التي يقيم بها بعض الأهالي، ألوانها متسقة مع الجبل. بل انها تضفي عليه بعدا انسانيا وان كانت مشيدة فوق المقابر وحتى الآن لم يتم اخلاء القرنة تماما من سكانها. أتطلع إلى الغرب، عند لحظة معينة يختفي القرص الملتهب، لا يمكنني رؤيته، لكنني أرى بالضوء الذي يميل إلى اصفرار، ويغمق شيئا فشيئا تمهيدا لقدوم الليل، هذا التحول يمكن تحديد درجاته كل ثانية، الألوان، الظلال، الاشارات الخفية لقدوم الليل، لصيرورة الكون، وانقضاء العمر.