الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 أجل.. ان بيان قمة شرم الشيخ.. مطلع هذا الاسبوع اقوى من بيان القمة السابقة في بيروت فيما يتعلق بالمسألة العراقية. وحتى وزير خارجية العراق اثنى على البيان الاخير قائلاً ان هناك «تقدماً» في الموقف العربي. ومع ذلك يبقى بيان شرم الشيخ مجرد بيان ما لم تنتقل بنوده الى دائرة التطبيق العملي. البند الرئيسي الذي تتمحور حوله بقية البنود الاخرى ينص على «تأكيد الرفض المطلق لضرب العراق.. باعتباره تهديداً للأمن القومي العربي وضرورة حل الازمة العراقية بالطرق السلمية في اطار الشرعية الدولية». وعلى هذا المنوال من البهرج اللفظي يمضي البيان منتقلاً من بند الى اخر دون تحديد كيفية ترجمة القول الى فعل. في احسن الاحوال اذن تبقى بنود بيان القادة العرب ليس اكثر من خطوط عامة استرشادية ذات طابع تنظيري متبطل، ليس لأن الفعل مستحيل وانما لأنه لا تتوافر ارادة جماعية غلابة لاقتحام دائرة الفعل. ما هي الافعال المطلوبة على وجه التحديد؟ لنأخذ على سبيل المثال البند الرئيسي الذي ينطوي على «رفض مطلق لضرب العراق» داعياً الى ضرورة حل الازمة، بالطرق السلمية وفي اطار الشرعية الدولية. ان الخلفية الدولية التي يطرح فيها مثل هذا الموقف النظري العربي تشتمل على معركة حامية الوطيس على صعيد مجلس الامن الدولي بين معسكرين من قوى دولية نافذة: معسكر حرب بقيادة الولايات المتحدة ومعها بريطانيا واسبانيا.. ومعسكر سلم بزعامة فرنسية المانية مدعومة بقوة من روسيا والصين. واذا كان المفترض كما يقول بيان القمة ان القادة العرب يرفضون حقاً الحل العسكري مجندين الحل السلمي فإن الحد الادنى من الخطوات المطلوب منهم اتخاذها يتمثل اولاً في تكليف الامين العام للجامعة العربية بارسال رسالة باسم مؤسسة القمة العربية الى الامين العام للامم المتحدة لابلاغه بأن مجموعة الدول العربية تؤيد وتدعم مبادرة السلام الفرنسية الالمانية وترفض رفضاً «مطلقاً» التحرك الاميركي صوب الحرب. لقد دعا بند اخر في البيان رئيس مؤتمر القمة للدورة الراهنة (ملك البحرين) الى تشكيل لجنة رئاسية للتشاور مع الدول الاعضاء في مجلس الامن الدولي على ان تضم اللجنة الرئيس السابق للقمة والرئيس الحالي والرئيس القادم بالاضافة الى امين عام الجامعة. والسؤال الذي يطرح هو: اذا لم تكن المهمة الاساسية لهذه اللجنة الرئاسية هي رفض التوجه الاميركي صوب الحرب مع تأييد الاقتراح الفرنسي الالماني لمعالجة الازمة العراقية سلمياً. فماذا تكون؟ ان هناك معركة دبلوماسية دولية تتعاظم بصورة يومية. وعلى اساس النتيجة النهائية لهذه المعركة سوف يتحدد مصير العراق. وما دامت المعركة تدور حول مصير دولة عربية فكيف يعقل الا تشارك فيها مجموعة الدول العربية بغرض حسم نتيجتها من منظور عربي؟ امام طاولة مجلس الامن الدولي مشروع قرار تقدمت به الولايات المتحدة بتأييد بريطاني اسباني يدعو بلغة غير مباشرة الى فتح الطريق الى حرب ضد العراق تشنها اميركا. وخلف الكواليس تدور المعركة الدبلوماسية الحقيقية بين معسكر الحرب ومعسكر السلام لكسب تأييد بقية الدول الاعضاء في المجلس.. هنا او هناك.. وهذا التصارع الدبلوماسي بين المعسكرين يتركز بصفة خاصة على بضع دول اعضاء لم تحدد موقفها بعد بصورة نهائية. واذا كان القادة العرب يريدون منا ان نصدق رفضهم «المطلق» لضرب العراق لصالح المعالجة السلمية فإن منطق هذا القول يفرض عليهم ان يشنوا هجوماً دبلوماسياً قوياً من خلال «اللجنة الرئاسية» لاستقطاب اصوات الدول الاعضاء لصالح مشروع السلام الفرنسي الالماني وضد المشروع الاميركي. وفي بند اخر من البيان يشير النص الى قرار مجلس الامن الدولي رقم 1441 مطالباً العراق باستكمال تنفيذ هذا القرار من اجل تجنب الحرب. ولكن الا يعرف القادة العرب كما يعرف العالم كله ان القرار رقم 1441 له تفسيران متضادان، احدهما حربي والاخر سلمي. ولماذا لم يعلن القادة العرب بوضوح قاطع انحيازهم الى التفسير السلمي ورفضهم للتفسير الحربي؟ ان القرار 1441 يشتمل على عبارة «عواقب وخيمة» بشأن العراق. وبينما تقول الولايات المتحدة ان تفسير هذه العبارة هي شن الحرب، تقول فرنسا والدول الكبرى المؤيدة لها ان العبارة تعني عدة تدابير متنوعة ليس استخدام القوة الا واحداً منها. فهل تناصر الدول العربية فرنسا المدافعة عن العراق وتريد حقاً تجنيبه الحرب ام تناصر الولايات المتحدة التي تعتبر المتهم مذنباً مقدماً حتى لو ثبتت براءته؟ هذا هو السؤال الذي تريد الشعوب العربية اجابة واحدة عنه.. لا اجابتين احداهما ظاهرة والاخرى باطنة.