الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 ان ميلاد قناة «العربية» الفضائية اضافة جديدة لمنظومة الاعلام العربي واعتقد انه أمر ايجابي يجب التأكيد عليه في عصر الفضاء المفتوح، ولكن من المهم ان تدخل الى حلبة المنافسة برؤية مختلفة حتى لا تقع في شرك التكرار الذي مله المتلقي العربي!! على أي حال من السابق لأوانه الحكم مسبقا على التجربة الوليدة بعد ايام قليلة من خروجها الى النور، ولذلك من الضروري لفت انتباه القائمين عليها الى بعض الملاحظات التي اعتقد انها في الحسبان خاصة وحسب علمي انهم مجموعة متميزة من الاعلاميين العرب الذين يمتلكون ادواتهم جيدا! فما لا شك فيه ان عصر الفضائيات قد نقل مفهوم الاعلام الجماهيري الى مرحلة متطورة خرجت من دائرة الفكر الاعلامي المحدود احادي الجانب الى دوائر متعددة فيها تتنوع الافكار والاتجاهات والثقافات بما يشكل اهتمامات الرأى العام، ومن ثم يساهم على نحو كبير في تحديد اتجاهات الرأى العام ومن ثم التأثير فيه!! وفي هذا الاطار لم يكن الاعلان العربي معزولا عن الثورة في وسائل الاتصال حتى اصبح الاعلام أول مجال تغزوه ظاهرة «العولمة». ولكن رغم تعدد القنوات الفضائية في الفترة الأخيرة الا ان معظمها ظل متشابها خاصة القنوات الفضائية الحكومية التي تعبر عن وجهة نظر محددة مما جعل البعض يقول ان الاعلام العربي فقد متعة المتابعة، وقال البعض الآخر ان الاعلام العربي لم يعد مؤثرا في ظل وجود قنوات اجنبية تمتلك وسائل ابهار وعناصر جذب اكثر من القنوات العربية. وعلى سبيل المثال الفضائية الاسرائيلية الناطقة بالعربية تقدم للمشاهد العربي السموم على أطباق من الفضة، ومن هنا يجب ان يأخذ الاعلام العربي على عاتقه توجيه جزء من خدماته خاصة الاخبارية والسياسية الى غير الناطقين باللغة العربية وبالطبع الناطقين باللغة العبرية في مقدمتهم اذا أردنا الدخول الى حلبة المنافسة. واذا كانت قناة «العربية» قد قررت دخول الحلبة فيجب الا يكون همها الأول فقط هو منافسة قناة مثل «الجزيرة» التي استحوذت منذ سنوات على اهتمام المتلقى العربي بسبب جرأتها وحساسية الموضوعات التي تتناولها. وفي اعتقادي ان «الجزيرة» خلقت بسبب هذه الجرأة في التناول الى حد الاثارة والضجيج حولها «جزر رافضة» لتوجهاتها، ومن ثم جاءت «العربية» لتفرض من اللحظة الأولى لانطلاقها اجواءا جديدة من المنافسة كان الاعلام الفضائي العربي يفتقدها الى حد ما!! اذن نقول ان المنافسة مطلوبة ولكن في تقديري ان اسم القناة الجديدة يعكس دلالة التعبير عن مفهوم اعلامي قوي شامل، فمن المفترض ان تصبح العربية معبرة عن كل العرب وليس بعضهم فقط!! وعليه ارجو ان يتسع صدر القائمين على «العربية» لقبول الملاحظات التالية التي ارى انها تصب في اتجاه ان تصبح «العربية» قومية عربية فعلا!! أولا: يجب ان تحذو الجرأة تناول جميع الموضوعات المثارة على الساحة حتى ولو كانت نفس الموضوعات التي تتناولها القنوات الاخرى ولكننا نحذر من أمرين: الأمر الأول: الا تصبح برامج «العربية» صورة طبق الأصل من برامج «الجزيرة» مع اختلاف الاسماء والعناوين، ولكن الجرأة يجب ان تكون مصحوبة باختلاف في المعالجة وطرق تحليل الموضوعات. الأمر الآخر: الانزلاق في «فوبيا» الخوف من الاثارة لان الخوف سوف يقتل الجرأة وحرية الابداع وعليه يحكم المتلقي في النهاية على القناة الأكثر موضوعية وجرأة بلا اسفاف. ثانيا: انتقال المتلقي في عصر «الريموت كنترول» من قناة فضائية الى اخرى وبصفة خاصة القنوات الاخبارية هو للبحث عن المصداقية والشفافية ورقي العرض وارتفاع مستوى الاداء، وفي لغة الاعلام ينجذب المشاهد نحو القناة التي تقدم خدماتها بشكل فيه قدر من الابهار رغم ان الاحداث والقصص الاخبارية واحدة تستقبلها وتعرضها كل القنوات، انما يبقى الاختلاف في قدرة هذه القناة أو تلك على التنافس بتقديم معالجة جديدة ومتميزة. بعبارة أخرى ان العامل المهني والاستفادة من التطورات التقنية الى أقصى درجة يظلان الفارق بين كل قناة واخرى. وعلى سبيل المثال.. أحداث العراق هي في قلب التغطيات الاخبارية لدى كل القنوات ولكن المتلقي سيلتزم بمشاهدة القناة التي تغطي هذه الاحداث بجرأة وموضوعية مع سرعة النقل ومتابعة الحدث والقدرة على التحليل أولا بأول. ثالثا: اذا وصلت القناة الجديدة الى هذا المستوى المهني المتقدم فأني اقتراح ان تكون رسالتها الاعلامية ليست موجهة فقط للمتلقين العرب، ولكن من الاهمية بمكان ان تخصص جزءا من ارسالها لتقديم برامج دعائية باللغة العبرية على وجه التحديد، فليس معنى ان تكون سالعربيةس قناة عربية موجهة للعرب فقط. واعتقد انها اذا نجحت في تحقيق هذا المسعى فأنها سوف تتميز على قناة مثل «الجزيرة» في جزئية اختراق الرأى العام الآخر الذي يحتاج الى تصحيح في مفاهيمه المشوهة عن صورة العرب والمسلمين. رابعا: ان التنافس بين القنوات الفضائية لا شك انه في التحليل الاخير لصالح المتلقي لأنه يحفز على تحقيق المزيد من الابداع المهني وتلك مسلمة في الفكر الاعلامي المتطور، ومن هنا تظل المنافسة مطلوبة بين القنوات الفضائية عموما والقنوات الاخبارية خصوصا!! خامسا: ان التنافس سيظل قائما ولكنه سيقود في مرحلة لاحقة الى ضرورة التنسيق بين القنوات العربية لرسم استراتيجية للاعلام العربي وتحقق التكامل بين هذه القنوات في توحيد الرؤى العربية عند مخاطبة الآخر.. وفي اعتقادي أن هذا هو الدور الذي يجب أن تضطلع به هذه القناة الجديدة في المستقبل!! سادسا: ان التنافس الاعلامي يعكس اختلافا في وجهات النظر وهو أمر وارد في ظل اختلاف المنابع الفكرية وتعدد المناهل الثقافية، وعليه من الأهمية بمكان ان يتم توظيف ذلك في الرسائل الاعلامية الموجهة الى المتلقي العربي، ولكن ليس في صالح الصورة القومية للأمة العربية ان تكون الرسالة الاعلامية الموجهة الى غيرالعرب تعكس اختلافا في وجهات النظر بل من الضروري ان تقدم للآخر صورة تعكس الانسجام العربي في معالجة القضايا رغم مناهج التحليل. خلاصة القول.. ان تجنب ظاهرة الاستنساخ في الاعلام العربي سيقود الى التنوع والتكامل في آن واحد ويمهد للتنسيق المرجو بين وسائل الدعاية والاعلام في عالمنا العربي، فهل يمكن لقناة مثل «العربية» ان تكون المثل والنموذج على ماقدمناه؟ عموما دعونا ننتظر حتى تكتمل التجربة!! ـ كاتب واعلامي مصري