الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 اذا راجعنا المعالجات السياسية الصحفية او النقاشات الجدلية التي تجريها الاذاعات او الاقنية الفضائية العربية، بشأن ما حل بالفلسطينيين، قبل وبعد اعادة انتخاب شارون، وبخصوص الازمة العراقية التي اخذت تطغى على الاحداث الدموية في الضفة الغربية وتجعل من خطة «خارطة الطريق» الاميركية للحل السلمي حدثاً ثانوياً لا يأبه به الا القليلون، نجد ان كثيراً منها يميل الى العزف على الوتر العاطفي الصاخب والرقص على النغم الانفعالي الصارخ، بعيداً عن الهدوء العقلاني، وكأن الرد الصارم والحاسم على هجمات الاعداء هو اقناع الشعوب العربية بأنها مظلومة وصاحبة حق مهدور، وان اعداءها يناصبونها العداء ويتربصون بها الدوائر ويتآمرون عليها ويعتزمون النيل منها. واكثر من ذلك، فإن الخطاب الاعلامي العربي يكاد يلقي بكامل اللوم فيما يحل بنا من نوائب وكوارث قومية على القوى المعادية لنا، دون بذل سوى القليل من الجهد في كشف النقاب عن اخطائنا واماطة اللثام عن مسئوليتنا في تهيئة التربة المناسبة لما حدث ويحدث، وكأن من المعيب ان يكون لنا اخطاء. ونحن في هذا الموقف، نشبه الانسان الذي يحاول الاختباء وراء اصبعه حتى لا يراه احد، ان لم نقل، اننا كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمال. وهذا يذكرنا بنظرية «المؤامرة» التي تحتمل تفسيرات عديدة يذهب فيها كل طرف المذهب الذي يتوافق مع هواه ويتناغم مع اجتهاده، وينسجم مع ايديولوجيته. ولكن الجوهر الحقيقي لهذه النظرية بسيط ولا يحتاج تفسيره الى منهجيات معقدة ونظريات جامدة. ويكفي ان نقول باختصار ان الكثيرين من الكتّاب السياسيين يرجعون كل انتكاسة نمنى بها الى مؤامرة كبرى نسجت خيوطها الصهيونية العالمية، وحبكتها اسرائيل ودعمتها الولايات المتحتدة. وقد اشار الى ذلك بوضوح الكاتب السوري حواس محمود في كتابه «موضوعات سجالية» الصادر في دمشق، في نهاية عام 2002، عندما بيّن ان الخطاب الفكري والسياسي العربي منذ اكثر من نصف قرن وحتى اليوم، يبني تحليلاته ومعالجاته لواقعنا على اساس ان كل ما يدور من حولنا ليس سوى مؤامرات خارجية تحيكها الدوائر الامبريالية، وان الانظمة والجماهير لا علاقة ولا مسئولية لها تجاه ما جرى وما يجري، وكأن ارادتنا غائبة، او كأن الامور قد سلّمت الى الأبد للغرب يقرر ويفعل ما يشاء. ويأسف حواس محمود لأنه تحت ذريعة هذه المؤامرات، تم تغييب الديمقراطية وحقوق الانسان، وتخلفت التنمية، وهزل الاقتصاد وضعف المجتمع المدني، وتأخرت التكنولوجيا وساد الوهم والخرافة والميتافيزيقيا. ويمضي الكاتب الى القول بأن العقلية العاطفية لخطابنا العربي تأبى الا سلوك اسلوب الشتم والقدح واشعال الحماسات والغليانات الشعبية وتجييش الجماهير وتحشيدها حول العداء للاستعمار، من دون المبادرة الى القيام حتى بالخطوة الاولى على طريق مواجهة الاعداء. ونعود الآن الى نقطة البداية في مقالنا هذا، فنقول ان اعلامنا العربي يعتمد الى حد كبير على الاثارات العاطفية اكثر من التحليلات الواقعية. واذا كانت الشعوب العربية ضعيفة اليوم وعاجزة الى حد كبير عن رد غائلات الاعداء، ورفع كاهل الظلم عن ذواتها، فهل هي بحاجة الى مزيد من شحن العواطف واثارة المشاعر، ام الى رسم طرق واقعية وعملية للخلاص والخروج من المحنة؟ ان التهييج المستمر في مثل هذه الاحوال يشبه الى حد كبير التذكير المتواصل لانسان ما بالعزيز الذي فقده، مما يزيده حزناً عليه، دون طائل. وهذا يقودنا الى ما يمكن ان نسميه «بإعلام الاثارة». ففي ظل مثل هذا الاعلام لا قيمة للحقائق والمعلومات والارقام والوقائع والاحداث الصحيحة، بل المهم فقط اثارة اهتمام القارئ بأية وسيلة ممكنة، سواء بتوقعات كاذبة او اخبار ملفقة او قصص وهمية. فبعض الدوريات مثلاً تروج احياناً بأن احداثاً جساماً تقشعر لها الابدان وترتعد لهولها النفوس، على وشك ان تحدث في هذا المكان او ذاك من العالم. ثم يتبين بعد فترة، وعلى قاعدة «حبل الكذب قصير»، ان كل ما ذكرته هذه الدورية كان مجرد تلفيق مغرض وهادف. واذكر هنا على سبيل المثال، ان احدى الدوريات العربية التي لا اريد ذكر اسمها، دأبت بين الحين والآخر ومنذ منتصف عام 2002، على تحديد موعد لبدء الحرب على العراق، حتى تحيط نفسها بهالة من الأهمية. وحينما يحين الموعد المزعوم دون ان تقع الحرب، تعود الدورية وتعيّن موعداً جديداً وهكذا دواليك. وبعد ان انقضت جميع المواعيد السابقة دون اشتعال اوار الحرب حتى اواخر شهر فبراير من عام 2003، اكتشف القراء ان الامر كله لم يكن اكثر من مجرد اختلاق توقعات زمنية وهمية بهدف الاثارة الصحفية، وبخاصة ان آخر انذار يمهل العراق حتى منتصف مارس تقريباً. ونخلص من كل ما سبق الى ان اوسائل الاعلام العربية لا تعالج قضايانا المختلفة ولا سيما ما يتعلق بالمشكلتين الفلسطينية والعراقية، بالطرق الصحيحة. فهي تغفل المسئولية العربية، وتضرب صفحاً عن اخطائنا وسلبياتنا، وتلجأ الى تحميل الاعداء والاطراف العالمية كامل التبعات عما يحل بالعرب. وبالاضافة الى ذلك، فإنها غالباً ما تتبع اسلوب الاثارة العاطفية الهادفة الى شحن مشاعر الجماهير وتوجيه هذه المشاعر ضد الاعداء، وبعيداً عن الممارسات الداخلية العربية الظالمة. نحن اذن بحاجة الى خطاب عربي سياسي واعلامي جديد يضع النقاط على الحروف، ويعيّن ما لزيد وما لعمرو، ويوزع المسئوليات بصراحة، ويشير باصابع الاتهام الى كل موضع خطأ، سواء كان خارجياً او داخلياً. لقد ارتكب العرب اخطاء فاحشة، سواء فيما يخص العراق او فلسطين، وعندما حلّت ساعة الحقيقة وبدأوا يحصدون النتائج، اخذ خطابهم الاعلامي يقوم بالتغطية على سلبياتهم، مُحَمِّلاً الآخرين وحدهم، تبعات ما يحدث. ونحن هنا لا ننكر بالطبع وجود مؤامرات خارجية وعدوان اجنبي. ولكن ماذا نتوقع من الاعداء؟ هل ننتظر حتى يتوّجونا بالورود والازاهير والرياحين ويمدونا بالعسل والرحيق، فإذا لم يفعلوا، انهلنا عليهم شتماً وكيلاً للاتهامات؟ لا شك انه قد آن الاوان كي ندرك بأن على خطابنا الاعلامي ان يخرج من دائرة الانفعالية، والتنصل من المسئولية، وان يصارح الجماهير بالحقائق الموضوعية، حتى يمكن البدء بتدبر الامور ورسم صور الحل على الاجلين القريب والبعيد. ولست هنا بصدد تكرار آرائي حول اهمية الديمقراطية التي تعدّ في نظري مفتاح الحل لكل ما نعانيه. ولكن يكفي ان اقول بأن الاضرار الناجمة عن غياب الحرية في الوطن العربي، هي اشد بكثير من تلك الناشئة عن اي عدوان خارجي لأن فتح ابواب هذه الحرية يسقط ضجيج الاخرين في التدخل في شئوننا، وهذا رأي شخصي. واذا كان هناك من يخالفني فيه، فإنني اقول له: اذا لم يكن بيتنا الداخلي نظيفاً، فهل ننتظر من الاعداء ان يقوموا بتنظيفه؟ ـ كاتب سوري