الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 كانت مدفأة الحطب التقليدية تعطينا الدفء الضروري وكان لهبها وماجاً يتراقص فيضفي على مجلسنا طابعاً شاعرياً، في حين كان الثلج يتساقط على حديقة بيتي في ضواحي باريس في هذا اليوم الاخير من يناير 2003. كان الجو شاعرياً ولكن حواري مع صديقي لم يكن كذلك.. لأن جو العالم من حولنا كان ـ وما يزال ـ عاصفاً منذراً بهزات غير متوقعة ومشحوناً بالريبة والشك وتقلب الأحوال وانتظار الاموال. كان حواري مع صديقي ساخناً لأسباب عديدة، منها انه شخصية عربية متميزة من القلائل الذين نجحوا في ادارة الاعمال والمصارف والمال ولم يتخلوا عن ذلك الحس السياسي والفكري والثقافي الذي يعطي قيمة للرجال اكثر مما يعطيه المال. فصديقي رجل اعمال عربي استثمر ملايين الدولارات في دول عربية عديدة، غير عابيء بالمخاوف الطبيعية التي تعتري رأس المال من مناخات انعدام الاستقرار واهتزاز الامن واستشراء مظاهر الفساد التي مع الاسف تطبع كثيراً من اوطان العرب. وهو صديق سياسي ومثقف علمته الاحداث ان رأس المال مرتبط وثيق الارتباط بالتحولات السياسية والاجواء النفسية. وهو مرهف الحس لما يجري في وطنه الصغير وفي وطنه الكبير.. وكان عائداً من زيارة لواشنطن وله فيها علاقات واسعة وعميقة ومستمرة، وبخاصة في هذا الوضع الخطير من التأهب لحرب قادمة سوف تمسنا شئنا أم أبينا. وتقابل صديقي مع عدد من صناع القرار في واشنطن في الادارة الاميركية الحالية اي عش الصقور الحاكم اليوم في مصير العالم. ودون ان اذكر الاسماء فكل العالم يعلم من الذي يقرر سياسة اميركا في البيت الابيض وفي البنتاغون وفي وزارة الخارجية وفي المجلس القومي للامن وفي وكالة المخابرات.. وهم مجموعة من الرجال ـ والنساء ـ جاؤوا مع الرئيس بوش أو عادوا مع الرئيس بوش بعد قوسين فتحا وأغلقا وداما ثماني سنوات من ادارة الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون. وتحادث صديقي مع مجموعة من هؤلاء وحدثهم عن موقف الرأي العام العربي رغم انه لم يكن مجهولاً لديهم، وعن سلم الاولويات لدى المجتمعات العربية التي تختلف اختلافاً جوهرياً عن سلم الاولويات لدى الادارة الاميركية. لكن صديقي استمع اليهم كذلك واستخلص كما قال لي بأن ملف فلسطين لديهم مرتبط وثيق الارتباط بملف العراق، لأن امن اسرائيل وتفوقها هما خيار استراتيجي اميركي يعود إلى نصف قرن منذ عهد الرئيس رايت ايزنهاور وهم يريدون انشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومنزوعة ياسر عرفات تكون عامل استقرار بين اسرائيل والاردن ـ وهما كما قال احد الصقور: حليفان لاميركا. ولم ينكر احد اشهر الصقور الاميركان امام صديقي بان الحرب ضد العراق هي حرب من اجل النفط، لكنه اصر على توضيح هذه النقطة قائلاً: نعم ان النفط يشكل هاجساً مهماً لا لأميركا وحدها بل لكل اطراف هذا النزاع من عرب منتجين واوروبيين مستهلكين وروس منتجين ومستهلكين وصينيين متطلعين إلى مركز قوة. نعم نحن نريد استقرار امدادات النفط لكن السؤال الحقيقي الساخن هو: هل ان رجلاً مثل صدام حسين يضمن لنا وللعالم وللعرب هذا الاستقرار الذي نعتبره عاملاً من عوامل السلام والتوازن؟ وقد حرص صديقي وهو في مكتب هذا المسئول الكبير ان يثير الخطر الآخر الذي تمثله سياسة رجل مزاجي وعنيف آخر هو رئيس الحكومة الاسرائيلي ارييل شارون، فأجابه المسئول الاميركي بدون تردد: من قال لكم اننا نراهن على شارون.. نحن اقرب إلى اتجاه بنيامين نتانياهو فهو اقرب في الليكود للتصور الاميركي الشامل للمنطقة ومصائر شعوبها! اما ياسر عرفات فقد فهم صديقي بأن عش الصقور الحاكمين اليوم في اميركا يئسوا من مباشرته لشئون السلطة حتى ان احدهم قال له: ان ياسر عرفات وقع معنا في اوسلو على بداية حل سلمي بدون «متطرفين» وبدون اثارة ملف عودة اللاجئين، ووعد باشراك المجتمع المدني الفلسطيني في تصور المستقبل وتحويل السلطة الحقيقية ومواقع القرار تدريجياً إلى رجال آخرين من حوله من التكنوقراط والشباب، وكل ذلك لم يحدث منذ عام 1993 بل حدث عكسه، وهو لم يراع بأن من يسميه «صديقه وشريكه» اسحاق رابين قد دفع حياته ثمناً لاعتداله. هذا رأينا في ياسر عرفات. وتساءل صديقي وهو يزور شخصية نسائية متنفذة ضمن الصقور: ما هي الخرائط التي تعد للمنطقة؟ فقالت له تلك الشخصية: ان خرائط الشرق الاوسط الحالية ليست خرائط عريقة او قديمة او دائمة، فالشرق الاوسط هو الشرق الحائر في الرمال المتحركة، تنشأ دول وتندمج دول وتختفي دول حسب مصالح الامبراطوريات القديمة، مثل فرنسا وبريطانيا، وهما اللتان ساعدتا على انشاء دولة اسرائيل.. ولذلك ليس لدينا خرائط جاهزة فهي موكولة للشعوب. هكذا حدثني في باريس منذ ايام هذا الصديق السياسي العائد من واشنطن بعد ان زار عش الصقور.. وتوقف عندي ضيفاً كريماً قبل ان يغادر إلى اوطانه.. لان ليس لديه وطن واحد... بل اوطان عربية كثيرة. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com