الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 في الأسبوع الماضي دعا الأمير الحسن بن طلال إلى مائدة فكرية مستديرة في عمان لتدارس ما سمته الدعوة (الثقافة والدين في الشرق الأوسط، النظر إلى ما بعد الأزمة الحالية) وليس في النية هنا تناول كل ما جاء في تلك الندوة المهمة، التي عقدت ليوم واحد تحت ظلال نذر الحرب المحتملة في منطقتنا، إلا أن مجموعة من دُعي لهذه الندوة كثير منهم على سوية عالية من الخبرة والتجربة السياسية، من بينهم السيد فاستلاف هافل الروائي الذي ترك رئاسة جمهورية الشيك أخيرا بعد أن وصل إليها بشكل سلمي قادما من السجن، ولم ينتخب احد بعده إلا مؤخرا، وهو بخبرته يقدم مثلا إنسانيا للعمل السياسي المتحضر. أما الذي أثر في مسار النقاش وزاده غني، فهي الخبرة الثرية التي قدمها تجربتها الإنسانية والسياسية، رئيس وزراء جنوب أفريقيا السيد اف دبليو دكليرك، لقد بدا دكليرك حيويا ونشطا ومتحمسا لتفوق الخير، وقدم للمجتمعين تجربة نابضة بالإنسانية، فهو الرجل الأبيض الذي كان قابضا على ناصية الحكم، في بلد متقدم يتمتع باقتصاد يضاهي في تفوقه اقتصاد الدول الكبري، وتجربته السياسية التي عرضها غنية، لها من الدروس ما يتعدى خصوصيتها ويمكن الاستفادة منها. تدور لب تجربة دكليرك السياسية على كيفية حل المنازعات المعقدة بالطرق السلمية. وقد بسط طريقة المعالجة في ثلاث نقاط. ـ أسباب الصراع في المجتمع. ـ تاريخ المجتمع وتجاربه في محاولات حل الصراع. ـ القضايا الرئيسية التي تواجه مجتمع جنوب أفريقيا. تجربة فذة يقول دكليرك لقد وجدت نفسي وحزبي الحاكم أمام معضلة صراع طويلة المدى، وتاريخها دموي، وليس لها أفق في الوصول لحل لها بالقوة، وكان أمامي أما أن أتشبث بعملي السياسي وبكل السلطة التي أحوزها، أو أن أفكر بطريقة جديدة غير مسبوقة، لم أكن غرا في السياسة، فقبل أن أكون رئيسا للوزراء كنت وزيرا لأكثر من وزارة، وكان عدد كبير من أعضاء حزبي البيض المواطنين الافريكانا وبعض السود أيضا، لا يتصوروا حتى مجرد نقاش المشاركة في السلطة مع المواطنين السود، فقد عاشوا هناك لمدة تفوق ثلاثمئة سنة، أبا عن جد وحاربوا البريطانيين في مطلع القرن العشرين، وبنوا بلاداً حديثة بكل ما يعني ذلك المصطلح من معنى، لذا فان تغيير المسار الذي درجوا عليه كان من المستحيلات. يقول دكليرك لقد وجدت أمامنا طريقان، أما أن نفكر بشكل مخالف وخلاق، أو نبقي في حفرة الصراع غائرة العمق، بما تستنزفه من بشر وموارد، فقدمت اقتراحا للحزب وهو أما أن نغير مسارنا جذريا، ونجد حلا سياسيا لما نحن فيه من معضلة، ونفاوض الحزب الإفريقي الكبير، حزب نلسون مانديلا السجين لسنوات طويلة في سجننا، أو أن اترك العمل السياسي وأستقيل، ان لم يرقهم ذلك، ويبقوا هم يفرضوا السياسات التي تروق لهم في تسيير المجتمع في جنوب أفريقيا. كانت التضحيات باهظة بالنسبة لهم، ولكن لم يكن من بد بعد دراسة تاريخ الصراع أمامي غير الحل المتفاوض عليه، وتسليم الأغلبية مقاليد الحكم، مهما كانت التضحيات، وقبل الحزب الذي انتمي إليه الفكرة، كان هناك معارضون ولكن الغالبية قبلت بفكرة التفاوض بعد نقاش طويل، وتفكيك الصراع الإنساني الطويل، وهكذا تهيأت لي فرصة تاريخية بان أقدم، مع منديلا تجربة إنسانية. يكمل دكليرك بقوله، كانت لدينا مشكلة هي أسلحة الدمار الشامل، وخاصة القنبلة الذرية، لم أكن اعرف عنها كثيرا عندما كنت وزيرا للموارد، كان السر محفوظا لدي القلة، وبعد أن أصبحت رئيساً للوزراء تبين لي حجم المخزون من هذا السلاح الفتاك، لقد كان بحوزة جنوب أفريقيا ستة قنابل ذرية ونصف! وقد قررت أن نقوم نحن بإعدام هذا المخزون الهائل الذي يمكن له أن يدمر ليس نصف الكرة الأرضية، بل الوجود الإنساني، لقد قمنا بتفكيك كل ذلك، ووثقنا هذا التفكيك ليس فقط القنابل الموجودة، بل والأجهزة التي تساعد على إنتاجها والمواد الخام، قمنا بذلك بأنفسنا، ثم طبلنا من المجتمع الدولي أن يشهد من خلال تلك الوثائق على صحة ما فعلناه، وجاءت شهادتهم الدولية كاملة غير منقوصة بأننا قمنا بما وعدنا المجتمع الدولي أن نقوم به. يتحدث دكليرك عن مانديلا وحزبه، فيقول انه رغم أن الأغلبية العددية، وبالتالي الديمقراطية للسود في جنوب أفريقيا، إلا أن مانديلا وحزبه، قد أشرك في كل الوزارات القائمة في جنوب أفريقيا ممثلا عن حزبنا من اجل أن يكون هناك في قمة السلطة ويتابع خطوات اتخاذ القرار. ذلك ملخص لما عرضة الرجل التاريخي اف دبليو دكليرك، وهو الرجل الذي حاز مناصفة مع نلسون مانديلا جائزة نوبل للسلام العالمي، وهو بالتأكيد مع شريكه يستحقانها فقد حقنا في ما بينهما دماء مئات آلاف من الرجال والنساء في جنوب أفريقيا، كما فتحا للبشرية طريقا آخر غير طريق العنف. هذه التجربة العظيمة ماذا نستفيد منها، فلم أتناول السابق لأعرض تجربة الرجل الفذة، بل من اجل أن نرى كيف ينظر إلى مثلها في منطقتنا الموبوءة بالصراع الدامي، ونحن على مشارف تدفق دماء غزيرة أخرى، وخسائر بشرية ومادية غير مسبوقة. قراءة تاريخية في لقاء الرئيس العراقي صدام حسين مع ممثل التلفزيون الأميركي قال (نحن حبانا الله بمهمة عظيمة، ومن يطلب مني التنحي أو يعرض اللجوء فهو شخص بلا أخلاق، لأنه يكون قد وجه إساءة للشعب العراقي). الفرق في التوجه ومعالجة المشكلة واضح، ففي الوقت الذي يتنازل رئيس دولة كبيرة مثل جنوب أفريقيا عن الحكم لتسليمه للأغلبية بشكل ديمقراطي، ويرى في عمله هذا انتصارا لمبادئ إنسانية عظيمة، يرى الآخر الموضوع من زاوية ( أخلاقية) مختلفة (أن من يطلب ذلك شخص بلا أخلاق!) وهو خلط عظيم في النظرة والتوجه، كما انه خلط بين ( الشعب) و( ألانا أو الذات). لقد ترك عبد الرحمن عارف الحكم في العراق أو تُرك، على سبيل المثال، ولم يطلق عليه احد حكما ( أخلاقيا) كما ترك كثيرون الحكم والسلطة في سبيل إنقاذ وطنهم ومواطنيهم كما يحدثنا التاريخ الإنساني الطويل والمليء بالعبر، تلك هي رجولة حضارية، تفوق رجولة التشدد غير المبني إلا على أوهام. أمامنا تجربة دكليرك الرجل الذي قاد بشجاعة حضارية تفكيك دولة عنصرية مسلحة بالقنابل الذرية الفتاكة، وأعاد السلطة إلى الشعب الإفريقي دون حرب أهلية، وهي حالة انتقال من الدموية والقمع إلى حالة من التطبيع السياسي الحضاري، وقد دخل وشريكه نلسون مانديلا، في قائمة الرجال العظام. أما من يؤكد على ( جيتو القلة) ويتحصن خلف مقولات ضاربة في التبرير غير المنطقي، فلن يجد له مناصرا عندما يحين الحين، حتى من فريق الجيتو المحيط به. ذلك هو حكم التاريخ وتلك قصته، وهناك من يقرأ التاريخ بعشوائية، وهناك من يعرفه على حقيقته. ـ كاتب كويتي