الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 خرج من ارضه مطارداً مطلوباً حياً او ميتاً والمكافأة مئة رأس من الابل تدفع لمن يلقي القبض عليه فيريح رؤوس قريش المتعبة ويعيدها والعرب الى ما كانوا عليه قبل مجيء الرسالة الخاتمة. لكن ذلك الحلم القرشي تلاشى امام الحقائق الجلية التي تشهد على قوة صاحب الرسالة وقوة اتباعه المؤمنين به وبدعوته اولئك الذين جعلوا الدفاع عن العقيدة هدفا نهائيا لا يتنازلون عنه مهما كلفهم من جهد ومعاناة لا يتحملها كثير من الناس. ترى ما الذي ينقصنا حتى نحقق نفس النتائج او قريبا منها على الارض فنفرض احترامنا وهيبتنا ونجعل الآخرين يراجعون حساباتهم وفق واقع حي يشهد بكفاءتنا على اجتياز المحن، ويقدمنا للناس على اننا اصحاب مباديء نعرف كيف ندافع عنها، ونجيد تمثلها في الحياة الخاصة والعامة على حد سواء؟ لماذا ثبتوا ذلك الثبات الرائع الذي زلزل الارض من تحت اقدام اعدائهم، وقدمهم للعالم على انهم اصحاب رسالة سامية تعتني بالانسان وتحترم خصوصيته وتفتح له الباب على مصراعيه ليتخذ قراره بشأن العقيدة دون ضغط او اكراه، بينما نتعثر نحن في التعريف بأنفسنا، ونتلعثم في الدفاع عن حقوقنا، ونحتار في الكلمة التي سنختارها لتحدد مواقفنا من الآخر؟! لماذا حدثت هذه الهوة بيننا وبين جيل العمالقة الذين فهموا وعملوا واثبتوا كفاءتهم على ادارة الازمات والتفوق على التحديات بينما نحن اليوم نعجز عن قراءة المشهد الحاضر قراءة تامة، ونفتقد الرؤية الشاملة لاسباب ازماتنا التي صنعناها بأيدينا نتيجة الجهل وقصر النظر وعدم الاستعداد لدفع فاتورة التميز والانجاز؟ لقد حول اولئك الكبار من سلفنا الصالح الهزائم الى نصر، والخوف الى امن، والتفرق الى اجتماع، ووحدهم المبدأ العظيم والغاية الكبرى، وانصهرت الخلافات امام بريق الاهداف العليا، فتوفرت لهم حينها طاقة خلاقة، اكملوا بها رحلة الحياة، وخاضوا بها المحن واستشرفوا المستقبل، ولقنوا الحياة والأحياء درسا في الكرامة والصمود عجز احفادهم اليوم عن فهمه وتنفيذه على أرض الواقع. وما نتمناه ونحن نحتفل بالعام الهجري الجديد هو ان يحسن المسلمون قراءة دروس الهجرة، وان يوقنوا بأن التعبئة المعنوية لا تقل بحال عن التعبئة المادية، بل ربما فاقتها في كثير من الاحيان، وهو الشيء الذي ينقصنا اليوم بينما توفر للجيل الاول وللاجيال التالية، فالمعنويات في اللحظة الراهنة تعاني من انخفاض حاد لا يتناسب مع خطورة الوضع القائم الذي تعيشه الامة اليوم. ولا يخفى ان الهزيمة النفسية مقدمة حتمية للهزيمة على ارض الواقع، وهي تمهيد غير موفق لنتائج مخيبة للآمال. ولعل من اسباب وجود هذا الكم من الاحباط «الانفصام النكد» بين مؤسساتنا على اختلاف توجهاتها ومهماتها وبين الآمال التي تعلق عليها الامة الكثير، غياب المشاريع العامة التي تربط ما بين المؤسسات المختلفة وتنشر ثقافة واحدة تدعم اهداف الامة وتفعّل من ادوارها في خدمة القضايا العامة هو الذي افرز حالة من التثاقل والتخلي عن القيام بالواجبات، وادى الى فقدان التواصل مع الاهداف القومية طالما انه ليس هناك خيط يجمع بين حبات العقد المنفرطة والمتناثرة، وينظم الجهود الجزئية والمبعثرة التي لم تعد كافية لانعاش الافكار، او ضخ دماء جديدة تزيل الران عن العقول التي علاها الصدأ، أو تقوي الصلة الواهنة ما بين الانسان ومشاكل المجتمع!! ولكي نعيد تنظيم واقعنا من جديد علينا ان نتصالح مع اهدافنا الكبرى التي فقدناها في زحمة الانشغال بالحظوظ العاجلة والغنائم الشخصية، وان نمد جسور التواصل بين مؤسساتنا المجتمعية والثقافية، وان نتخلى عن الأنا الضيقة التي افشلت مشاريع رائدة كان يمكن ان ترى النور لكن التنافس البغيض وحب الظهور اديا الى الاطاحة بها وحبسها في ظلام الادراج الى اجل غير مسمى. ان بين حياة الامم وموتها عقبة كؤوداً لايجتازها إلا من كانت مصالح امتهم فوق المساومات والمقايضات والحسابات الضيقة. وانها معادلة حاسمة لا تقبل التأويل والتفسير الناقص، فإما ان تقرر الأمة ان تحيا من جديد وتدفع ثمن الحياة، واما ان ترفض فتختار مصيرها المحتوم!!