الثلاثاء 1 محرم 1424 هـ الموافق 4 مارس 2003 حين تصفو البشرية وتشف، وتسلم وتصح، تستطيع أن تصنع الكثير وتحقق الغايات وتقتحم الصعوبات، وقد تناول القرآن الكريم بشرية الرسل وأمعن في تقريرها وتمسكه بها، فالرسول في أمته هو مصدر ابلاغ الفكرة وطريق تلقيها وفهمها. ويقول الأديب الكبير أمين الخولي رحمه الله ان هذه المعاني نجدها واضحة في اشارات القرآن الكريم إلى أحوال الرسل ومنزلتهم من قومهم، فالرسل صفوة بشرية، قادرة على ما اضطلعت به ويبين ذلك في آيات كثيرة منها: «إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين» ومنها أيضاً: «كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة» والرسول أيضاً من أنفسهم «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم» صدق الله العظيم. وفي حديث الكتاب المبين عن الرسل عليهم السلام يعرض علينا ما لقوا من العنت في سبيل رسالاتهم وما احتملوه من سفاهات المكذبين بتلك الرسالات وكلنا نعرف تآمر المشركين على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك، ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين». ولنستمع إلى كلام الخالق عز وجل وهو يأمر الرسول الكريم بالصبر وبتسبيح الله ليعتز بعزته ويستمد القوة من قوته، في قوله تعالى: «فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى» ويلتمس المفكر الكبير أمين الخولي الاجابة عماتخيره الله لرسله وما هداهم إلى ان يقولوا لقومهم وأن يعلنوا الغاية من أدائهم لرسالاتهم، في آيات كريمة من القرآن الكريم إذ نسمع نوحاً عليه السلام يقول لقومه: «ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً، إن أجري إلا على الله» ونسمع هوداً يقول لقومه «يا قوم لا أسألكم عليه أجراً، إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون» وهكذا قال صالح لقومه، وقال نفس المقالة لوط وشعيب عليهما السلام، ولقد قالها خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام مراراً عديدة فهو حيناً ينفي ابتغاء الأجر بأن يهبهم ما يطلبه في مثل قوله: «قل ما سألتكم من أجر فهو لكم، إن أجري إلا على الله، وهو على كل شيء شهيد»، وحينا آخر يقول: «ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً» وكذلك في قوله تعالى: «وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين» وهكذا فإن الرسالة التي أداها الأنبياء ولقوا فيها العنت والايذاء هي عمل لا مال فيه ولا أجر من حطام الدنيا، ثم هم في آخر الأمر كما قال خاتمهم عليه الصلاة والسلام «نحن معاشر الأنبياء لا نورث.. ما تركناه صدقة». هكذا يبسط القرآن هديه الكريم، وبه ترقى النفس البشرية، ويهتدي به علماء وجدوا لذتهم في غير بيع العلم والارتزاق به حتى لقد أثر عن الإمام الشافعي قوله: «وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إلي شيء منه». كذلك هناك حكاية قديمة عن مستكشف قديم رفض أعراض الدنيا حين عرضت عليه ولم يطمع في مال أو شهرة حتى أن التاريخ أغفل ذكر اسمه. كان هذا المستكشف في عهد صلاح الدين الأيوبي في الحروب الصليبية وقد فشلت نيران المسلمين في إحراق أبراج قوية نصبها الاعداء. وكان هذا المستكشف قد قام منذ عهد بعيد على دراسة ما كان معروفاً من النيران والنفط في ذلك العصر، واكتشف سلاحاً حارقاً جديداً يفوق كل ما عرف من قبل، فقدمه إلى جيش صلاح الدين عندما يئس رجاله، فأمكن بالسلاح الجديد إحراق أبراج العدو، ونال الرجل تقدير القائد المسلم فقدم له أموالاً جزيلة واقطاعاً كثيراً فلم يقبل منه شيئاً. ويذكر مؤرخو عهده أنه قال: «إنما عملته لله تعالى ولا أريد الجزاء إلا منه» ومضى الرجل النبيل العظيم. دون أن يحمل التاريخ عنه شيئاً حتى ان اسمه لم يرد في الكتب إلا بعبارة تقول: «إنسان من أهل دمشق» ولم تشر كتب التاريخ بشيء الى اسمه ولا وصفه