الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 مرة اخرى اضطر مجبرا ومكرها الى العودة للحديث عن فقدان الامل، على الرغم من ان النفسانيين يعتبرون الانسان الفاقد له خارج السوية البشرية، وعلى الرغم من اننا كعرب رضعنا المقولة «ان الغريق يتعلق بالقشة» لكن مع ذلك فالقشة يوما قصمت ظهر البعير، وقشة اخرى اغرقته واهلكته. واذا سايرت اهل النفس فانني بذلك خارج السوية البشرية، واذا سايرت المقولة فإنني البعير الذي هلك من حمله، لان صاحبه اغرقه بالمزيد من الاحمال مهما تناهت في الخفة والصغر. على الرأيين أصر على فقدان الامل، وأصر بشدة على ان الالم والحزن ينهشاني وينهشان الملايين ممن لديهم قلوب رقيقة لا تقوى على منظر الدم وخدش العين بالاشلاء الآدمية المتناثرة .. أصر على زمن اللاأمل، وزمن الحزن والكآبة، وزمن التوهان والهوان. وللزميل الذي يؤرقني يوميا بسؤاله وسهامه اقول له عنكم وعني: كل شيء يجعلني استسلم لحقيقة الحزن وحقيقة الالم، وما من نور ولو بسيط في نهاية النفق، فالحقائق تقود الى الحقائق، والمرارة لا تقود الا للمرارة، ونحن يا صاحبي وعزيزي تتبين لنا كل الحقائق يوميا مدعومة بالبراهين. ألا تحزن معي، والصباح العربي لا يهدي اطفاله سوى الالم والمصير المظلم؟ الا تحزن معي، والمساء العربي لا ينام الا على الفواجع؟ الا تحزن معي، والايام العربية تعري نفسها وتكشف هوانها باصرار؟ الا تحزن معي .. والعربي صار ذيلاً في المهزلة تهش به على عورتها؟ الا تحزن معي.. وهذا العطب في العقل لا ينتج الا الانكسارات والخذلان؟ ولصاحبي العجوز السياسي القديم المشاكس، صاحب العقل الراجح الذي لو نصب ملكا على الامة لوزع الافراح ملفوفة بالسلوفان الملون هدايا، اقول: هرمت يا عزيزي وانت تنتف شعر شاربك حزنا على الايام الخوالي، هرمت وانت تتغنى بعبد الناصر ينبت من بين الجدران المتهالكة، نخرت عظمك الشيخوخة وانت تعيد قراءة التاريخ وتشرب قهوة الانتصارات، فتت عضدك المواجع والفواجع وسخرت حتى الموت من هذا الواقع وانت تردد وتجتر ذكرى الفوارس القدامى. من أي رحم سيولد صلاح الدين جديد؟ ومن أين ستأتي بالاكسير السحري الذي سيجدد الدماء في الشعارات التي ما زالت مرفوعة على حدبتك العربية؟ قال الشاعر ايام كان فارسا وجهبذا «البيوت تموت اذا غاب سكانها». قل معي الاوطان تموت اذا غاب ملحها. احمل قفتك وامض الى كوخ قصي في اطراف الوطن الكبير وسجل على رقعة الجلد: اننا وبهذا التاريخ المعين وصلنا الى ما وصلنا اليه، وان بصيرتنا غادرتنا نتيجة جرثومة ملعونة سرت في الدم، وانك كتبت الرقعة حينما سالت آخر قطرة من كرامتنا وبعد ان صرنا مثالا واضحا للذوبان السريع والتلاشي من الوجود!!