الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 سنة هجرية جديدة 1424 وكل عام وانت بخير.. أو هكذا ينبغي ان ندعو على أساس ان تفاءلوا بالخير تجدوه ان شاء الله. وليس لنا ـ في مثل هذه الزاوية والسطور ـ ان نعدد ما أصبحت تواجهه أمة المسلمين والعرب من أوصاب وتحديات، وما باتت تكابده من آلام وعذابات.. حسبنا ان نستعيد في هذه المناسبة عبرة القرار الذي سبق حدث الهجرة من أم القرى «مكة» الى مدينة الدعوة «يثرب».. جاء قرارا ـ كما لاشك تعلم ـ امتزج فيه الأمر الرباني بالجهد الانساني.. وتجلت فيه قدرة المولى تبارك وتعالى على ان يجعل لكل شئ سببا.. وأن يطرح هذه الأسباب على أفئدة البشر كي يتأملوا في مغزاها وفيما أفضت اليه من نتائج. وبديهي ان كانت السماء قادرة على ان تنقل صاحب الدعوة ـ بين طرفة عين وانتباهتها ـ من مكة الى المدينة.. لولا ان شاءت حكمة السماء ان تلقن الانسانية درسا بليغا في معاني الجهاد والاجتهاد.. وفي الوشيجة المضيئة والايجابية التي تربط بين أمر الله في عليائه وبين نضال البشر وكرمهم على سطح الأرض.. وهكذا كانت ملحمة الهجرة التي لا تفتأ تطرح دروسا في كل عام يثقفها المسلمون ويستوعبونها جيلا من بعد جيل.. دون ان نخشى عليها من مغبة الاعادة أو من فعل التكرار: ذلك لأن العبرة المستقاة منها تتغير في الفكر وفي الوجدان من سنة الى أخرى حسب ما يستجد على أمة العرب وعالم الاسلام من أحداث وأفكار وطروحات وتحديات. والفيصل هنا هو ملحمة نضال الانسان الذي يحمل رسالة الى قومه ومن ثم الى الانسانية، بأسرها: كيف كان اجتهاده ـ وفن قدراته البشرية.. كيف قرر ان يفارق مسقط رأسه.. مدينة نشأته ـ موطن أعز ذكريات الطفولة والصبا، وكيف خطط الرحلة وشرع في خطوتها الأولى على قلة الامكانات وكثرة الخصوم وبعد المسافة ومشقة الطريق. وكيف تحمل رجلان خرجا بليل ـ هما النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه ـ مهمة ما زالت أصداؤها المباركة تتردد في سمع التاريخ، وما زال عطرها مضمخا بالشعار الرباني الجليل الذي تلخصه كلمات تقول: «لا تحزن ان الله معنا». وقد رددها النبي عليه السلام لصاحبه اذ هما في الغار.. وكم تهفو النفس حين يلهج اللسان مرددا كلمة «صاحبه» ومعنى ثاني اثنين، وبالتالي معنى الرفقة وصحبة الانسان ـ بالمحبة ـ للانسان. ولقد مضى حدث الهجرة الشريفة في تاريخ العقيدة وأهلها وفي سجل نموها وتطورها وعلى ايقاع نضجها واكتمالها.. ان قيض الله لهذا الحدث الجليل عبقرية فريدة وموهبة فذة في فن الادارة والتنظيم.. جاءت مضمخة بعطر الايمان وصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. تلك هي عقلية عمر بن الخطاب الذي هدته موهبته وأفضت به فطرته وفطنته الى ان يعلن من حدث الهجرة بداية لتاريخ الاسلام وتقويما على مر الدهر للمسلمين. وقد لا يعلم الكثير من الناشئة ان اتخاذ الهجرة أو اعلان رأس السنة الهجرية من كل عام عيدا رسميا في دول الاسلام وأمصاره وفي أقطار المسلمين وممالكهم ـ هو تقليد مستحدث.. يرجع من حيث المكان الى مصر ويعود من حيث الزمان الى ختام العقد الأول من القرن العشرين، فيما يرجع الفضل في ذلك كله الى دعوة الزعيم الشاب مصطفى كامل التي ظل ينشرها في جريدته الفتية الرائدة «اللواء» مشيدا بعظمة الاسلام وتاريخ المسلمين ومهيبا ببني وطنه في مصر ـ مسلمين وغير مسلمين ـ ان يعوا ذاتهم وينفضوا غبار السنين عن تراث أمتهم ويهبوا لمناجزة الاحتلال الانجليزي والمحتلين. يقول المؤرخ الراحل الاستاذ عبدالرحمن الرافعي في حولياته: ـ «في غرة المحرم سنة 1328، الموافق 12 يناير عام 1910 أقام شباب مصر احتفالا فخما بعيد رأس السنة الهجرية (كان ذلك تقليدا غير مسبوق) وذلك على مسرح البايلوت باسك(!) في شارع عماد الدين في وسط القاهرة خلف التلغراف المصري. وقد رأس الاحتفال أحمد بك لطفي وخطب فيه حفني أفندي محمود عن طلبة المدارس الثانوية ثم علي فهمي كامل بك».. يومها وقف شاعر النيل حافظ ابراهيم وألقى قصيدة يصفها الاستاذ الرافعي بأنها «من أبلغ شعره» فحيا في مطلعها هلال العام الهجري الجديد قائلا: لي فيك حين بدا سناك وأشرقا أملٌ سألت الله ان يتحققا ثم خاطب الشاعر مواكب الشباب التي حرصت على الاحتفال برأس السنة الهجرية فقال: أهلا بنابتة البلاد ومرحبا حددتم العهد الذي قد أخلقا لاتيأسوا ان تستردوا مجدكم فلرُبَّ مغلوب هوى ثم ارتقى فتجشَّموا للمجد كل عظيمة اني رأيت المجد صعب المرتقى من رام وصْل الشمس حاك خيوطها سببا الى آماله وتعلقا و.. هكذا شدا حافظ ابراهيم في أول احتفال برأس السنة الهجرية.. أما رئيس الاحتفال، أحمد لطفي فكان من أعلام المحاماة والصحافة الوطنية واشتهر بالدفاع عن الشباب الوطني ضد اتهامات الانجليز المحتلين.. وأما الطالب الشاب حفني محمود فقد توالت الأيام ليصبح حفني محمود باشا ويتولى كرسي الوزارة ويشارك في الحياة العامة مثقفا صعيديا يجمع بين الاستنارة وخفة الروح، وهو شقيق محمد محمود باشا الذي تولى مرتين رئاسة الوزارة في عهد ما قبل ثورة يوليو وكان رفيقا لسعد زغلول حين ساقهما الانجليز الى المنفى.. وأما علي فهمي فكان شقيق مصطفى كامل الزعيم الذي ألهب الخيال الوطني في عالم مصر والاسلام ورحل الى دنيا البقاء في الثلاثين من العمر. نسينا ان نضيف الى فذلكة الاحتفال الذي ذكره الاستاذ الرافعي أمرين لكل منهما دلالته: ـ ان رئيس الاحتفال ـ أحمد بك لطفي كان ينتمي أصلا الى عائلة «عاشور» وهي من كرائم الأسر في منطقة المغرب ـ تونس الخضراء بالذات، ومن أعلامها الأستاذ الفاضل بن عاشور صاحب الاجتهادات الجليلة في تفسير القرآن الكريم. ـ ان الاحتفال المذكور برأس السنة الهجرية الاسلامية شارك فيه أيضا الأستاذ مرقس حنا، وكان بدوره من أساطين القانون والقضاء في مصر مع مستهل القرن العشرين وكان من رفاق مصطفى كامل في الحزب الوطني، وقد ألقى خطبة ضافية احتفالا بالسنة الهجرية لاخوانه المسلمين.. وبالمناسبة.. فقد دار الفلك دورته كما يقولون ـ لينال مرقس حنا رتبة الباشوية، وقبلها نال نصيبه من تبعات الجهاد حيث شارك في كل الحركات الثورية والسرية ضد المحتلين الانجليز الذين اعتقلوه وحكموا عليه بالاعدام ثم شاء الله ان يفرجوا عنه لكي يصبح وزيرا للمالية ثم الخارجية. وبالمناسبة أيضا فثمة خطأ في حساب الاحتفال السنوي برأس السنة الهجرية.. فقد كانت الهجرة في ربيع وها هي الاحتفالات تتواصل في محرم من كل عام.. ولعل العبرة هنا هي بالحدث الجليل في حد ذاته. تلك كانت ذكريات سجلها التاريخ المعاصر وجاش بها الوجدان وانصاع اليها القلم، اذ هي موصولة بحلول عام هجري جديد تهل علينا غرّته وسط أنواء تعصف بالأمة وباستقرارها وسلامها.. أليس خليقا بأن نردد من جديد مع العم حافظ ابراهيم افتتاحيته: لي فيك حين بدا سناك وأشرقا أمل سألت الله ان يتحققا