الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 أخشى ان زخم الاحداث المتلاحقة بشأن الأزمة العراقية وتسارع ايقاعها وما يرافقها من عواصف اعلامية يجعلنا نرى الاشجار ولا نرى الغابة. المشهد المتحرك صوب اعيننا هو نزاع ثنائي بين الولايات المتحدة والعراق حول قضية معينة ومحددة وذات طبيعة عابرة. فالمفترض نظرياً انه بعد تجريد العراق بالكامل وبصورة نهائية من اسلحة الدمار الشامل فإن المشكلة الأساسية تكون قد تلاشت. غير ان هذه القضية الثنائية الاميركية العراقية ليست في الحقيقة سوى ما يبدو على خط الابصار المباشر للعين المجردة.. فما وراء ذلك اكبر واعظم كثيراً وأخطر شأنا من الأزمة العراقية، فلو كانت المسألة المطروحة بهذا القدر من الضآلة والمحدودية لما ادت الى شقاق تاريخي خطير، هو الاول من نوعه في هذا العصر، بين اوروبا الغربية والولايات المتحدة. ولنطرح اولاً تساؤلاً أبجدياً: لماذا هرعت القيادات السياسية في دول الاتحاد الاوروبي جميعاً ودون استثناء نحو المشاركة في الحرب الاميركية على افغانستان قبل اقل من عامين، لكن ترددت عندما اعلنت ادارة بوش عزمها لشن حرب مماثلة على العراق؟ خلال ظرف زماني قياسي تحول تردد القيادات الاوروبية ـ او بالأحرى قيادات الدول الاوروبية الرئيسية بزعامة ثنائية فرنسية وألمانية ـ الى تمرد ومن ثم الى موقف تحد علني تجاه واشنطن. لقد اكتشفت الدول الاوروبية ان الحرب الاميركية في افغانستان ليست سوى حلقة اولى في مسلسل اميركي طويل ينتهي الى بسط سيطرة استعمارية اميركية شاملة على العالم بأسره.. وان القوة الرئيسية المحركة من وراء هذا السيناريو الاكبر هي الحركة الصهيونية العالمية المتنفذة داخل الولايات المتحدة. افغانستان اولاً.. ومن بعد افغانستان يأتي العراق.. ومن بعد العراق تفعيل «حل نهائي» لقضية الشعب الفلسطيني يؤدي بالضرورة الى «عملقة» الدولة الاسرائيلية في منطقة الشرق الاوسط وبعد ذلك يأتي الدور على سوريا فايران.. ثم ينتقل السيناريو الى دول اسيا الوسطى بما في ذلك انشاء سيطرة احتكارية على نفط بحر قزوين. بايجاز ينتهي الامر عند نهاية المطاف الى خلق امبراطورية عالمية جديدة باسم اميركي وتحكم يهودي تصبح القوى الدولية الاخرى ـ اوروبا وروسيا والصين ـ قوى ثانوية بالمقارنة معها. وبما ان الوسيلة الوحيدة المعتمدة لتطبيق هذا السيناريو العالمي هي القوة العسكرية العارية، وليس الدبلوماسية السلمية، فإن المشهد الغالب في عالم الغد سوف يكون سلسلة من الحروب الاميركية المتصلة لعشرات السنين. هنا نتوقف لنطرح تساؤلاً آخر: هل هذه أجندة يهودية لصراع الحضارات؟ نذكر ان نظرية «صراع الحضارات» كما يقدمها الفيلسوف الاميركي المعاصر صامويل هنتنجتون تتنبأ بصراع مصيري بين الاديان الرئيسية: الاسلام والمسيحية واليهودية. لكن اذا اخذنا بنظرية هنتنجتون واعتبرناها اساساً نظرياً صالحاً لاستقراء عالم المستقبل في ضوء الاجندة اليهودية الاميركية فكيف نفسر وقوف اوروبا الغربية المسيحية في موقف تحد يتحول سراعا الى موقف عداء تجاه الولايات المتحدة؟ ان هنتنجتون يطرح تصوراً لتحالف بين المسيحية واليهودية في مواجهة ضد الاسلام لكن ما يجري الآن على هامش الأزمة العراقية وتداعياتها يكذب عملياً هذا التصور النظري. اولاً: نجد ان الموقف الاوروبي «المسيحي» يتجاوب مع الشارع العربي والاسلامي. ثانياً: ينسجم موقف «عميدي» الكنيسة المسيحية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، بابا الفاتيكان وكبير اساقفة كانتر بيري، مع موقف الحكومات الاوروبية الرئيسية وموقف الشعوب العربية والاسلامية. ثالثاً: داخل الولايات المتحدة نفسها تخرج مظاهرات ضخمة تندد بادارة بوش واجندتها الحربية في تجاوب كامل مع العرب والمسلمين في اطار المسألة العراقية والقضية الفلسطينية. ما يمكن ان يستخلص من كل هذا هو ان شعوب البشرية بأسرها معرضة الى تهديد باستعمار عالمي يهودي على يد الحركة الصهيونية العالمية التي تتحرك بجيوش واساطيل تحمل اسم الولايات المتحدة الاميركية. هذا على الأقل هو ما استخلصته فيما يبدو القيادات السياسية في اوروبا الغربية ومن ورائها جماهير الشارع الاوروبي، وبالتالي يفسر لنا اولاً: لماذا تتخذ القوى الاوروبية الرئيسية موقفاً معارضاً ضد مشروع الحرب الاميركية على العراق، وثانياً: لما وقع نتيجة لذلك شقاق تاريخي على صعيد الحلف الأطلسي الغربي؟ والسؤال الاخير هو: متى نحن معشر العرب نتوصل بدورنا الى هذا الاستخلاص التاريخي؟