الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 لقد ظل مجلس الأمن يغط في سبات عميق منذ إنشاء الأمم المتحدة، وكأنه في حالة غيبوبة دائمة (كوما)، حتى تنبه بعد إنتهاء الحرب الباردة، وبدأ يرسل بعض إشارات الحياة التي احتار أطباء القانون الدولي وفقهاء السياسة في تحليلها، فهل هي علامات إيجابية لعودة الحياة (أو لبدء الحياة!!) في هذا الجسد الدولي، أم أنها صحوة الموت؟؟.. في الحقبة الأخيرة من القرن الماضي، بدأ ذلك الجسد الدولي الهامد الممدد في التمطي والتثاؤب، وصدرت عنه بعض الزفرات التي حملت حرارة الفصل السابع من الميثاق، وبدا للبعض أن المجلس الموقر ـ ربما بأثر الرقاد الطويل ـ أصبح يتصرف بما يتجاوز صلاحياته القانونية، بينما رأى البعض الآخر ـ وربما لنفس السبب ـ أنه لا غبار في أن يتمدد بعض الشيء خارج إطاره الضيق حتى يثبت وجوده وسلطته، ويفرض على الجميع إحترامه. وهذا كلام زين من كلا الطرفين..!! إلغاء سيادة الدول إلا أن السياسة ـ قاتلها الله ـ لا يوجد في تعريفها الأخذ بأحد الموقفين المتطرفين، فهي لعبة حلول الوسط والأرضية المشتركة، ومن المفروض أنها تكون كذلك على وجه الخصوص إذا تعلق الأمر بجهاز دولي متعددة أطرافه ومتساوية في السيادة. وسواء في يوغوسلافيا أو كوسوفو أو العراق، ثارت التساؤلات في عصر صحوة مجلس الأمن حول أهمية تعديل عضوية المجلس ونظام التصويت فيه كي يتمشى مع النظام الدولي الجديد. من المعروف أنه طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، يعد المجلس هو المسئول الدولي الأول عن السلام والأمن العالمي، وقد ذهب المجلس إلى أن صلاحياته يمكن أن تتوسع بحيث لا تقتصر فقط على النزاعات ذات الطابع الدولي (أي التي تنشأ بين الدول)، بل تمتد إلى النزاعات الداخلية مثل الحروب الأهلية وإنتهاكات حقوق الإنسان داخل الدول، وعلى هذا الأساس قام المجلس بإنشاء محاكم دولية جنائية لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا ورواندا. وقد وجد هذا التوجه تأييداً كبيراً بين بعض كتاب وفقهاء القانون الدولي في الغرب بطبيعة الحال، وأصبحت سيادة الدول في مهب الريح، حيث لم يعد هناك ما يسمى بالسيادة المطلقة للدولة، أو حتى ما تواضع عليه بعض علماء القانون بإعتباره الجزء الباقي من هذه السيادة. واقع الأمر أن تفسير المادة 39 التي تحدد شرعية التدخل الانساني وتحدد ماهية التهديد للسلام الدولي، يخضع ـ في نظر هؤلاء ـ بالكامل للمجلس نفسه، دون وجود معايير قانونية محددة يمكن إلزام المجلس بها عند إتخاذه قراراً يتعلق بوضع ما يعتبره تهديداً للسلام الدولي، إلا أنه يمكن القول في هذا الصدد وبافتراض صحة هذا الإتجاه، فأن المجلس في كل الأحوال يجب أن يلتزم بمعيار لا جدال فيه هو الأغراض والأهداف التي نص عليها الميثاق نفسه، بحيث يكون سلوك الدولة المعنية يهدد تهديداً حقيقياً تلك الأغراض والأهداف أو يؤدي إلى نشوب حرب دولية، وفيما يتعلق بإنتهاكات حقوق الإنسان داخل الدول، لا يبدو واضحاً كيف تكون تلك الإنتهاكات تهديداً للسلم الدولي بحيث تستدعي تفعيل صلاحيات مجلس الأمن؟، فلابد من التسليم أن حقوق الإنسان تنتهك بشكل أو بآخر وبدرجات مختلفة في كل دول العالم تقريباً وبدون إستثناء، وليس هذا محل التدليل على ذلك وإن كان يكفي الإشارة إلى الإجراءات التميزية التي أتخذتها أميركا مثلاً ضد بعض الجنسيات أو الأصول العرقية للتأكيد على أن إنتهاك حقوق الإنسان يتم بشكل أو بآخر في كل دول العالم، ومن ناحية أخرى فأن التوجه الواضح لتسييس هذه القضية وإستخدامها لتحقيق أهداف سياسية معينة للدول الكبرى، ينزع من هذه القضية عناصرها القانونية الحيادية، وهذا كله يؤكد أن التفسير الواسع لصلاحيات مجلس الأمن كي يتضمن «التدخل الإنساني»، ليس له أي مقتض من القانون أو الواقع. نظرة للأمام ولكن ما هي الوسيلة المناسبة للحيلولة دون تعسف مجلس الأمن في قراراته ؟، أن ذلك يتطلب بلا شك نوعاً من الرقابة القضائية التي يمكن أن توفرها محكمة العدل الدولية، وهو ما يستدعي إعادة النظر في إختصاصاتها (وهو ما سبق أن طالبنا به في مقالات سابقة)، وكذلك ضرورة الحرص في المحافظة على سيادة الدول، ومراعاة مبدأ التناسب Proportionality . والأساس في مطلبنا بأهمية المراجعة القضائية لقرارات مجلس الأمن يرتكز على أن قرارات المجلس هي قرارات قانونية بطبيعتها، وأنه بالبديهة إذا ثبت مخالفة أي قرار للقانون فلابد من إبطال هذا القرار. والمؤسف أن الوضع الحالي يعطي لمجلس الأمن وحده الحق في تقدير مدى قانونية قراراته، حيث أن كلاً من المجلس والمحكمة جهازان مستقلان يعملان بشكل منفصل، ويفترض نظرياً على الأقل عدم وجود أي تداخل أو تدخل بين أنشطتهما. إلا أنه يمكن القول أيضاً أن لكل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة الحق في طلب الرأي الإستشاري من محكمة العدل الدولية، بما يتضمن ذلك الرأي القانوني في قرارات المجلس نفسه، وبالتالي فهناك إطار قانوني يمكن من خلاله نقض بعض القرارات ولو أن هذا النقض لن يتجاوز القيمة المعنوية ولن يصل إلى حد الإلزام القانوني، ومن ناحية أخرى فان الصلاحيات الواسعة للمجلس خاصة فيما يتعلق بتطبيق الفصل السابع من الميثاق تجعل من المتعذر حسم هذه المسألة القانونية.ويجب أن نلاحظ أيضاً أن إختصاص المحكمة مقيد بما ورد في المادة 36 من نظامها الأساسي، كما أن عدداً قليلاً من الدول هو الذي قبل بالخضوع الإجباري لإختصاص المحكمة طبقاً للفقرة الثانية من نفس المادة، وقد اتضح عجز المحكمة عند معالجتها لقرار مجلس الأمن في حالة لوكيربي. وبطبيعة الحال هناك معارضة قوية لأي تعديل على عضوية أو إختصاصات مجلس الأمن أو نظام التصويت فيه، ومن المؤكد أنه ستكون هناك معارضة أقوى لأي مراجعة قضائية لقراراته، ولكن إذا كان التوجه الدولي هو مباركة توسع مجلس الأمن في صلاحياته، فأنه من اللازم أيضاً لتحقيق التوازن أن يعاد النظر في نظام العضوية والتصويت بالمجلس، مع إعطاء دور أكبر لمحكمة العدل الدولية لمراجعة هذه القرارات، بل ونقضها إذا لزم الأمر في حالة مخالفتها لميثاق الأمم المتحدة أو للقانون الدولي العام، لأن ذلك سيعد بمثابة فصل حقيقي للسلطات على المستوي الدولي لتحقيق «مأسسة» و«ديمقرطة» العلاقات الدولية. ومن ناحية أخرى، فأن تلك الدول المسيطرة على مجلس الأمن، قد تتساءل عن القانون المطبق في حالة القبول بالمراجعة القضائية لقرارات هذا المجلس.. فهل يكون ميثاق الأمم المتحدة ؟ أم قواعد القانون الدولي العام؟، وذلك بدوره يقود لتساؤلات أخرى مثل هل يعد الميثاق دستور المنظمة الدولية وأجهزتها المختلفة، أم أنه دستور المجتمع الدولي بأعضائه، أم أنه مجرد معاهدة متعددة الأطراف يسري عليها ما يسري على أي معاهدة طبقاً للقانون الدولي العام في هذا الصدد؟. إذا افترضنا أن الميثاق هو دستور المنظمة الدولية وأجهزتها بما في ذلك مجلس الأمن، فأن الأخير يجب أن يلتزم حرفياً بما ورد من قواعد في هذا الميثاق، ولكنه في نفس الوقت، وطبقاً لنصوص الميثاق نفسه، يملك حرية واسعة في التفسير وخاصة بالنسبة لصلاحياته تحت الفصل السابع من هذا الميثاق. وإذا أفترضنا أن الميثاق هو دستور المجتمع الدولي، فأن هذا المجتمع ممثلاً في جمعيته العمومية (الجمعية العامة) هو الذي يملك صلاحية التفسير والتعديل والمراجعة بما في ذلك قرارات مجلس الأمن. أما إذا افترضنا أن الميثاق هو مجرد معاهدة دولية متعددة الأطراف، فأن لكل دولة طرف أن تستخدم الأدوات القانونية التي يوفرها لها القانون الدولي سواء في الإلتزام أو النقض أوغير ذلك، وهو ما يشمل أيضاً قرارات مجلس الأمن. وقد سبق لنا في مقال سابق أن اختبرنا أبعاد ذلك في مسألة «تحريم إستخدام القوة في العلاقات الدولية»، بإعتبارها قاعدة من قواعد النظام الدولي العام التي لا يجوز الإتفاق على مخالفتها، وذهبنا إلى أن ذلك أيضاً يسري على مجلس الأمن، مع الأخذ بعين الإعتبار بطبيعة الحال الصلاحيات الواسعة للمجلس تحت الفصل السابع في إستخدام القوة، وهو ما يوضح التناقض بين المجالين في إطار القانون، وهو ما ناقشناه أيضاً فيما يتعلق بمسألة تفويض السلطة، حيث ذهبنا إلى أن المجلس لا يمكنه ـ بشكل قانوني ـ أن يفوض سلطاته بشكل مطلق in toto ، أو يفوض فيما يزيد عن سلطاته، حيث يجب أن يكون للأصيل (المجلس) حق إسترداد هذا التفويض أو مراجعة بعض مقتضياته، كما يجب أن تكون له دائماً السيطرة على السلطات التي تم التفويض فيها وإدارتها، مع ملاحظة الإختلاف بين الوضع القانوني للتفويض Delegation والتصريح Authorization ، حيث أن الأخير أكثر ضيقاً وينبغي أن تكون السلطات المصرح بها فيه محددة ومحدودة بالمقارنة بالأول. بناءاً على ذلك، ودون الدخول في المزيد من التفاصيل، فأنه يمكن القول بأن الميثاق في وضعه الحالي يعد دستوراً للمجتمع الدولي كما أنه في نفس الوقت معاهدة دولية، وبالتالي فأن الأوضاع الدولية الجديدة التي ترتبت بعد إنتهاء الحرب الباردة، والإنتقادات الجادة لممارسات مجلس الأمن بعد صحوته المفاجأة. كل ذلك يتطلب إعادة النظر فوراً في صلاحيات هذا المجلس وتشكيله العضوي ونظام التصويت فيه، مع ضرورة خضوع قراراته للمراجعة القضائية، وإلا أصبحت هذه الصحوة بمثابة « شمشون» الذي سوف يحطم أركان معبد الأمم المتحدة على نفسه وعلى المجتمع الدولي ككل، بما يؤدي إلى تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين، يشبه ما حدث بعد فشل عصبة الأمم ونشوب الحرب العالمية الثانية. ـ كاتب مصري