الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 مع إصرار الولايات المتحدة على شن حربها ضد العراق سواء بغطاء دولى أو بدونه، بدأت أسواق الحرب تنتعش بين تجار الحروب الذين يظهرون قبيل نشوبها بل ربما يلعبون دورا فى تأجيج أوارها حتى يحصل كل منهم على نصيبه من كعكة الحرب، وتجار الحروب يتواجدون فى كل المجالات ويوزعون بين الأفراد و الشركات والمؤسسات والمصانع وحتى الدول. فعلى مستوى الأفراد، بدأت محطات التلفزة العالمية التى تتهيأ لدخول العراق مع القوات الاميركية سواء من جانب الكويت أو جانب تركيا توظف موظفين مؤقتين يشاركونها فترة تغطيتها للحرب المرتقبة وعادة ما يقومون بعملية الترجمة، أو المساعدات البسيطة أو حتى صحفيين محليين يشاركون فى توفير بعض المعلومات ووصل الأجر اليومي لبعض هؤلاء إلى سبعمئة وخمسين دولارا يمكن أن ترتفع إلى الضعف حالة نشوء الحرب، بل إن أجر المصور يصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف دولار فى اليوم وذلك كما علمت من بعض الزملاء فى الكويت وكما شاهدت فى تركيا مع وجود الكثير من محطات وشركات التلفزة التى ضاعفت أجورها بشكل كبير ولم يعد هناك فنى فى مجال العمل التلفزيونى يجلس دون عمل تقريبا بعدما تعرضت محطات التلفزة ووسائل الأعلام التركية فى العام الماضى إلى هزة دفعتها للأستغناء عن عمالة الكثيرين، ويصل التنافس بين شركات التلفزة حدا لا يمكن تخيله لاسيما بين المحطات الحرة التى تسابق الحدث وتريد أن تسيطر على المشاهد حال قيام المعركة بحيث يستطيع مشاهدتها ومتابعة ربما تفصيلاتها وهو يجلس على أريكته مرتاحا فى بيته، وهذا يجعل قيمة تغطية الدقيقة الواحدة تصل إلى عدة آلاف من الدولارات، كما أن الفنادق عادة ما ترفع أسعارها وتكون غرفها شبه محجوزة بالكامل كما هو الحال فى الكويت الآن وتركيا لاسيما أنقرة التى حصلت على غرفة فى أحد فنادقها بصعوبة بالغة وبأجر مضاعف عن الأجر الذى عادة ما كنت أحصل به عليها فى نفس الفندق من قبل، وحينما اقتضت الضرورة تمديد إقامتى لأيام إضافية اعتذروا لى فى البداية ثم وافقوا مع تأسف باضطرارهم لمضاعفة الأجر مرة ثالثة ولم أجد مفرا من الرضوخ فوجدت سعر الغرفة فى النهاية أصبح أغلى من أسعار الفنادق فى جنيف ولندن، كذلك فإن تجار المواد الغذائية الذين سيقومون بإبرام عقود التغذية للجيوش التى سوف تساهم فى المعركة أو للمؤسسات الأغاثية التى ستؤوي الللاجئين أو لعموم الناس الذين سيعانون تحت وطأة الحرب كلهم يستعدون الآن لجنى أرباح طائلة والاستفادة قدر الأستطاع من سوق الحرب ومن دماء وآلام الآخرين لتعويض فترة الكساد الأقتصادى التى تمر بها المنطقة. أما على مستويات أعلى فإن الدول كذلك تسعى لجنى أكبر قدر من الأرباح ففى الوقت الذى أعلنت فيه الحكومات العربية أنها لن تستطيع أن تفعل شيئا لأيقاف الحرب، وقدم بعضها تسهيلات للاميركيين دون مقابل يذكر فإن تركيا تعتبر أبرز الدول التى تقوم بجهد بارز فى مجال جنى الأرباح من وراء سوق الحرب التى لن تستطيع هى الأخرى أن توقفها ولكن على خلاف العرب، فالأتراك أدركوا أن اميركا بحاجة لهم وبالتالى فيجب أن يستفيدوا ويضمنوا أمنهم فأدخلوا الاميركيين فى مفاوضات مضنية سيعطوا الضوء الأخضر فى نهايتها دون شك ولكن ليس قبل الحصول على أكبر قدر من المكاسب، وكما صرح وزير الخارجية التركى يشار يكش فى مقابلة أجريتها معه يوم الأربعاء الماضى فإن الأمرلايقف عند حد الجوانب المادية ولكن هناك خمسة عشر بندا يتم التفاوض عليها بين الاميركيين والأتراك فى الجوانب الأقتصادية والسياسية والعسكرية، تشمل هبات مالية وقروض وشطب ديون ومشاركة عسكرية تضمن تفوقا عسكريا تركيا مستقلا وتوغلا فى الأراضى العراقية ،وامتيازات سياسية وعسكرية، وتأكيدا على عدم قيام أى دويلة كردية مع حفظ حقوق التركمان، والعجيب أن التفاوض فى المجال الأقتصادى وصل إلى حد التفاوض على رفع عدد القمصان التى تصدرها تركيا لاميركا وحتى كروت الهويات الشخصية، وأمورا أخرى عجيبة لا يمكن تخيل الحديث عنها إلا فى أسواق الحرب فقط. أما الدول الغربية فإنها تشارك فى سوق الحرب ليس بنفسها ولكن عبر شركات السلاح والنفط بالدرجة الأولى ثم عبر شركات الدعم اللوجستى فى كل المجالات، فالولايات المتحدة تواجه أزمة اقتصادية طاحنة أكد الخبرا ء أن الحرب هى المخرج لتجاوزها كما كانت حرب الخليج الأولى مخرجا لجورج بوش الأب من كارثة اقتصادية شبيهة، إن سوق الحرب سوق قديمة قدم البشرية، دائما فيها رابحون وخاسرون، وفيما يبحث الجميع عن المكاسب فإن العرب للأسف أصبحوا فى كل حروبهم الحديثة هم الخاسرون دائماً. ـ كاتب واعلامي مصري