الاثنين 30 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 مارس 2003 نظراً لحالة التماهي بين العدو الصهيوني والولايات المتحدة في الأهداف والبرامج والممارسات، لا سيما بعد التحالف الاستراتيجي، وسيطرة اليمين الأميركي المحافظ والمتطرفين على الإدارة الأميركية الحالية، وتلاقيهما على أرضية دينية وتلتقي مع غلاة اليهود والصهاينة في أهداف المشروع الصهيوني النهائية: «من الفرات إلى النيل دولتك يا إسرائيل» ومرحليات تنفيذ ذلك المشروع، ونظرة بوش إلى المجرم شارون على أنه معلمه وأنموذجه القدوة ورجل السلام بالمفهوم الأميركي للسلام. هل يجوز لنا أن نقول: إن العدو أصبح هو: الصهيوني الأميركي بدرجة واحدة، لا سيما بعد التهديد المعلن بإعادة تشكيل المنطقة العربية وفق المصالح الأميركية بعد احتلال العراق، وهو مشروع يقع منه الكيان الصهيوني في الصميم، وكذلك فرض هيمنة مشتركة على المنطقة بعد فرض الحلول التي يرتضيها الكيان الصهيوني لحل قضية فلسطين وتصفية ما يتصل بها؟! أعتقد أن هذا النوع من التماهي يستدعي هذا النوع من الرؤية والموقف، وهو ما لا ينتظر من القمة العربية في شرم الشيخ وما لا يمكن أن تفكر به طمعاً في كسب الشارع الأميركي «مستقبلاً» وحتى لا تزيد في حجم العداوة وعدد الأعداء ـ وقد يكون لذلك وجاهته ـ ومن ثم فهي ستكتفي بالمطالبة بحل سلمي للمسألة العراقية وشجب الحرب والإعلان عن رفض وقوعها بينما تباركها أقطار عربية في السر وتساهم فيها لأسباب عدة وبدرجات مختلفة من الحماسة معلنة ومخفية. وتبقى المبادرات والمشاريع المقدمة لتعزيز دور الجامعة العربية ومؤسسة القمة وتعزيز مبدأ الالتزام بقراراتها، نوعاً من الشعور بالعجز والخطر يتم الرد عليهما بنوع من الأمنيات وإبداء الرغبات، أما تفعيل الإرادة السياسية الصادقة والتنفيذ التام لما تعنيه الالتزامات والقرارات والأنظمة الداخلية والمواثيق للمؤسسات القائمة فيبقى خارج دائرة الاحترام الفعلي والتنفيذ العملي وليس خارج دائرة التمني والحث والشعار؛ لأن هناك مرجعية أخرى، أجنبية على الأرجح، لمعظم دول الجامعة هي خارج الوطن العربي على نحو ملحوظ ومكشوف في بعض الحالات، وخارج مصلحة الأمة بالمعنى الشامل في كل الحالات. تساؤلات ملحة فهناك أنظمة وحكام يرون أن بقاءهم مرتبط بمعاهدات واتفاقيات وعلاقات ثنائية مع الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا على الخصوص وحتى مع الكيان الصهيوني، وهي في حصن حصين وفي بعض مواقع «التقديس». وهم يأتون إلى حرم الجامعة العربية لا للاحتماء بها من سواها ولا للاستقواء بها على المخاطر والأعداء الخارجيين، ولا لرفعها سقفاً يحتمي به الجميع، وإنما كنوع من رفع العتب وتبرئة الذمة.. واستطلاع ما يفكر به عرب من العرب ليكون ذلك من بعد ضمن قاعدة البيانات بتصرف راسمي السياسات وواضعي الاستراتيجيات وصانعي القرار في بعض الدوائر الغربية حتى لا نقول الصهيونية، كما حدث في بعض مؤتمرات القمة العربية السابقة. وإلى أن يتم اتخاذ قرار عربي في كل عاصمة وفي كل نظام، وفي كل قلب من قلوب القادة والمسئولين العرب بوعي واقتناع وصدق وجدية بأن مصلحة الأمة العربية فوق مصلحة الأقطار والأنظمة والحكام، وبأن أمن الأمة هو مسئولية حكامها وأقطارها وشعبها، وأن أمن أي نظام واستقراره يوفرهما العدل والشعب بالدرجة الأولى واحترام القوانين وحسن تنفيذها، وأسلوب الوصول إلى الحكم وكيفية تداوله، وتمثُّل الحاكم لإرادة الشعب وتنفيذه لتلك الإرادة بأمانة، وأن ذينك الأمن والاستقرار المطلوبين لا يكونان مجلوبين، كما يجب ألا يكونا على حساب حرية الوطن وأمنه واستقلاله وحرية أبنائه وحقوقهم وكرامتهم.. إلى أن يتم ذلك سوف نظل في احتراب واضطراب، نعقد مؤتمرات للكلام ونخرج منها بضعف الهوام. على صعيد آخر ينبغي التساؤل بجدية ومسئولية تامتين عن موضوع نزع أسلحة أقطار الأمة قطراً بعد آخر ابتداء من العراق بذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل، ونحن نتابع اليوم موضوع الإصرار على تدمير أسلحة العراق الصاروخية العادية: «صاروخ الصمود» بذريعة أن مداه يتجاوز 150 كم، وهو سلاح تقليدي تملك كل الدول المحيطة بالعراق ما يماثله أو يزيد على مداه، ويملك العدو الصهيوني صواريخ تتجاوز هذا المدى بكثير وتطلق أقماراً صناعية تجسسية إلى الفضاء مما يدل على إمتلاك وقدرة على التصنيع متفوقتين في مجال الصواريخ بأنواعها. وتملك كثير من دول العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية صواريخ عابرة للقارات تحمل رؤوساً نووية وغير نووية؟! ونتساءل أيضاً عن معاني وأبعاد تكديس أسلحة بأموال الأمة في بعض الأقطار من دون أن تستعمل لحسم أي صراع من صراعات الأمة مع أعدائها، ولا في الدفاع عن قطر يتعرض للعدوان أو فئة من شعبنا تتعرض للإبادة في فلسطين، ولا تُحرَّك تلك الأسلحة إلا بإرادة البائع المنتِج ولخدمة أغراضه الاستراتيجية التي تقدم على أنها دفع للخطر عن القطر المعني أو النظام ضد قطر عربي أو بلد إسلامي على الخصوص، وحين يكون المستعمِل الأول والمستفيد الأول والأخير من تحريكها واستخدامها هو الذي باعها بالدرجة الأولى، بينما تتحمل الجهة المشترية عبء الصيانة والتخزين والتدريب لمصلحة آخرين، الأمثلة على ذلك كثيرة ومثيرة. إن السؤال المطروح في ظل هذا النوع من التصرف السائد على المستويين الدولي والعربي يغدو بوضوح كامل: هل هي حملة احتكار لأسلحة الدمار الشامل تتم لمصلحة من يملكونها من غير العرب على الخصوص، أم هي حملة تجريد العرب من السلاح التقليدي وغير التقليدي بتهمة حيازة أسلحة التدمير الشامل لفرض هيمنة القوة الأميركية ـ الصهيونية المطلقة على وطن قيد الاقتسام وإعادة التكوين السياسي بما يخدم المصالح الأميركية والصهيونية والأنظمة العربية ليست أكثر من لاعب في فريق غريب يقوم بالإرشاد لتمرير الكرة إلى ملعب وطن يعرف تفاصيل ضعفه؟! استثمار الذاكرة في الموقف القومي هناك اختراقات كبيرة لمصلحة أعداء الأمة، ويقوم بها نفر من أبناء الأمة في كثير من المواقع وعلى مستويات مختلفة، منها الرفيع وغير الرفيع. وإذا كان العراق اليوم هو الأنموذج الذي يتم التركيز عليه فقد شهدنا بوضوح مدى ما ألحقه أبناء العراق بالعراق من أذى وهم يكشفون أسراره ويتواطأون ضده مع الأميركيين والبريطانيين وسواهم، في الوقت الذي لم يقصر فيه مسئولون عراقيون في إغراق العراق بالمشكلات والأزمات والحروب لمصلحة الأميركيين، وهي حروب لم يستفد منها سوى أعداء الأمة والكيان الصهيوني على رأس أولئك الأعداء. وهنا ينبغي طرح السؤال بشقيه وبحديه على افتراض أنه يشبه السيف: هل خان أولئك الوطن وهم يعون ما يفعلون أم دمروه بأشكال مختلفة وفق حسابات واختيارات شخصية وخاطئة وليست وطنية إذا أخذنا الأمور بخواتيمها، ولا هي في مصلحته كما اتضح من نتائجها وما أسست له تلك النتائج من أحداث وأخطار وتأثير سلبي على مستقبل العراق ومستقبل الأمة؟! إن مقاربة هذا السؤال بمسئولية وموضوعية تفتح الباب أم قراءة مسئولة للتاريخ والوقائع يستفيد منها العربي لكي يستنتج ويبني ويقرر ويحكم في ضوء الواقع والمنطق والعقل والقانون وصحوة الضمير. وما ينطبق على وضع العراق ينطبق على وضع فلسطين في كثير من المواقف والمواقع والوقائع والحالات. وفي مجال آخر نطرح السؤال: هل من كان سبباً في إضعاف الأمة وتحالف مع أعدائها واستجاب لكل ما طرحه وطلبه غير العرب من أصحاب المخططات الاستعمارية والمصالح الأجنبية في الوطن العربي ولبى لهم حاجاتهم وخدم استراتيجياتهم وبرامجهم بشكل من الأشكال، هو شريك بدرجة ما في جريمة ضد الأمة إذا كان يعي جيداً ما يفعل حتى لو كان يفعل ذلك خدمة لمصلحة شخصية أو مصلحة قطرية ضيقة قدمها على مصلحة الوطن ومصلحة الأمة فجنى ما جنى من مصالح وكلف الأمة والوطن ما كلفهما من تبعات وتضحيات. الذاكرة شريرة .. والذاكرة طيبة .. والذاكرة مفيدة .. والذاكرة ضارة، والنسيان قد يكون نعمة في حالات وقد يكون نقمة في أخرى ، وعلينا أن نتبين كيف نستثمر الذاكرة فيما ينفع ويبني ويحقق العدل، ويبني الأمة وقوتها، ويستثمر ثرواتها وخيراتها وقدراتها أفضل استثمار بما يخدم قضاياها العادلة ومصالحها، ويبقي التاريخ مساحة استقراء وقراءة إيجابية للبناء بمسئولية ووعي وحكمة ووجدان. والتاريخ بمعنى من المعاني ذاكرة الأمة، وأمة بلا تاريخ أمة بلا ذاكرة، وأمة بلا ذاكرة هيولى تشكلها الأمم على هواها وحسب قراراتها، وكتلة بلهاء لا تعرف كيف تتوجه ولا كيف تعمل ولا كيف تبني. إن الذاكرة نافذة الوعي على نحو ما، ونافذة الحكم على الأحداث والأشخاص والأفعال والأقوال بمعنى من المعاني.. وهي مفتاح بصيرة بمعنى من المعاني، فهل تتمتع الذاكرة العربية بصحة وسلامة ودقة وتستثمر باقتدار حيث تساعد، شأنها في ذلك شأن البوصلة، في تحديد الاتجاه الصحيح عند اللجوء إليها واستشارتها؟! في بعض لحظات «الإحباط» أرى أمتي كتلة متسخة من اللحم يدحرجها أصحاب المصالح في طرقات الأمم ويعفِّرها بعض أبنائها بالتراب وهم يركضون أمام أصحاب المصالح أولئك ليدلوهم على مكب نفايات اللحم المتفسخ لقاء ما يعطونهم إياه من فتات. لا أستطيع أن أستوعب في الشأن العراقي الحالي مثلاً كيف يصول أبناء العراق على أبناء العراق بقوة عدو الاثنين وعدو العراق والأمة العربية والحضارة والدين.. الإسلام، لكي ينتقم بعضهم من بعض ويثأر بعضهم من بعض، ولكي يرقى أحدهم درجات سلم السلطة أو يبقى فيها على مدارج من جثث الأبرياء وعمران الوطن وقدراته الحالية والمستقبلية.. وعلى حساب الوطن والقرابة والكرامة ونبض التاريخ ومصالح الأمة العربية في تلك الرقعة الحضارية العريقة من أرض العرب وحضارة العالم. غياب المعرفة لقد شهدت وسمعت مناظرات الشر تلك فما فزت بمعرفة إيجابية تُذكر، واختلجت كل خلية من خلايا جسدي لموت كل خلية من خلايا جسد ذاك الذي يضرب بسيف العدو ثدي أمه، ويصهل مع العدو في بيت أبيه متسربلاً بدماء أخوته؟! ولم يستقر في وعيي ووجداني فهم لحالة يصبح فيها الإنسان عدواً لنفسه على هذا النحو الشرس. لقد اتخمت من كلام في التحليل والتشخيص لمسألتين كبيرتين في حياة العرب: قضية فلسطين وأبعادها وقضية الخلافات العربية العربية وأطوارها وأشطانها، وما وصلت أبداً للحظة يقول فيها المتخمون بمعطيات التحليل والتعليل والتأويل: كفى كلاماً ولنتجه إلى العمل المنقذ: تسخير القدرات العربية الكاملة لامتلاك القوة الشاملة التي تحمي تدرجنا نحو النهضة والتحرير والوحدة واستعادة الحق والمحافظة على العدل والحرية، بقوة العلم والإيمان والعمل بهما وفق سلوك يحاسب عليه شرع وقانون هما فوق كل الرؤوس، ومسئولية عربية أعلى من مصالح الحكام والأنظمة والأحزاب والأشخاص، مهما سمت المقامات وارتفعت الهامات. للموت وجوه ، وأنا بعض وجوه الموت في الوطن وبعض وجوه موت الوطن، فإذا كان أخي يُذبَح ولا أحرك لإنقاذه يداً أو لا أملك أن أدفع عنه الخطر ولو بمقدار ذرة، فما هو شأني وشأن قرابتي وانتمائي.. وشأن صلتي بالحق وبالإنسانية، بالعروبة والإسلام.. وإذا كان يُذبَح وهو على الحق ولا يدفعني الحق لأصيح: لا.. وأتقدم لانقاذه؟ وإذا كان وطني ينتهك وحقي يهدر وكرامتي لا تساوي بنظر سواي ونظري قلامة ظفر ولا ترفعني عن شرب القذى ولا ترفع عني أدنى درجة من درجات الأذى، فما شأني وشأن حياة كتب الله للإنسان فيها أن يكون وأن يعيش وأن يختار نهجاً: «وهديناه النجدين»، وحرم عليه أن يعبد سواه أو أن يستكين أمام الظلم وأن يهن أمام قسوة الأحياء والحياة؟! بقيت نفسي مثقلة بأسئلة كثيرة وأنا في صباح قمة جديدة للعرب في شرم الشيخ!! ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب