الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 النوارس رقيقة، هي التي لا تجرح اجنحتها خدود الريح، هي التي لا تجرح حتى اسماك السواحل الصغيرة وهي تبتلعها، ولا تربي النوارس انياباً ولا مخالب، ولا تصبغ ريشها بالألوان الصارخة، فللونها المعجون بلون الغيم والماء والسماء انعكاسات ما بينها لون سلام قادم وراحل يذرع الفراغ بحرية كاملة. النوارس لا تغدر ولا تطعن من الخلف ولا تملك من الخديعة ما يخلصها من فخ صيادها، هي الوديعة ساكنة سواحل الصمت الرحيم، لا تحب النوارس ازيز الطائرات الخاطفات، ولا يتقبل سمعها صفير الطلقات، ولا يتحمل ريشها الأملس شظايا الانفجارات. النوارس لا تحب الانفراد، ولا تحب العزلة، ولا تحب الاغتراب، ولا تألف الغريب الشرس، بينها وبين امكنتها سلام دائم، وبينها وبين الاماكن التي تجهلها مقدمات لقصائد الطبيعة، ثم تجثو، تحبو، تدب هنا وهناك، خطوها لا يخدش تماثيل الرمال العشوائية. في الحرب لا تملك النوارس لمس خد ريحها، لا تهادن جنون الاجنحة حينما يبدأ الوخز وينفلش مشط الريش توازيا مع الدخان والحرائق. في الحرب لا تموت النوارس بل تتلاشى كما انها لم تكن يوما هنا او هناك. لا تحترق النوارس بسهولة حتى لو لسعتها «لافا» الصواريخ السامة، بل تذوب اسرع من الصوت لأنها المسالمة لدرجة هذا الانعدام السريع، لأنها فقط لا تملك كف العفريت، ولأنها لا تموت من الدمار بل من تصوره، او تخيله، او مجرد التفكير فيه. للنورس عظمتان رفيعتان بلون البرتقال، رجلاه اللتان تحملانه حينما ينام وحينما يتهيأ لاصطياد الأعالي والقمم وقطرات المطر العاليات في السماء البعيدة، لهذا لم يتعلم النورس الرفس، ولا يتعلم العض، ولا يتعلم الكسر ولا الالم. لا يتألم النورس مرتين بل يموت من ألم المرة الاولى.. يموت من صرخة الطلقة الاولى، يموت من اثر الخيانة الاولى، يموت من طعنة الجبروت الاولى. للنورس منقار رفيع معقوف بخيلاء وخجل، للنورس صدر انثى يافعة ودفء امهات المراعي والبراري والوديان.. للنورس عين ساحرة فيها من عين الصقر وفيها من عين الياسمين. النورس ليس أجمل الطيور.. لكنه رغم كل هذا في الحرب وحده الذي يهرب الى الماء والى السماء والى المكان الذي لا يعرفه، لأن الرقة تقتله وتقتله.. وتقتله!!