الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 تعودنا ألا نرى في عالمنا العربي والعالم الثالث على وجه العموم وزيراً أو مسئولاً كبيراً يتقدم باستقالته طائعاً مختاراً نتيجة عدم اقتناعه بالعمل الذي يؤديه، أو اختلافه مع الحكومة التي يعمل من خلالها على السياسة التي يتم طبقاً لها إدارة العمل في الوزارة المكلف بها. فالوزارة أو المنصب الكبير يمثلان لكثير من الناس هاجساً أو حلماً يسعون لتحقيقه بشتى الوسائل، ليس فقط لما يمثله من مصدر دخل كبير، إذ ربما كان بعضهم من ذوي الدخول الكبيرة التي يتضاءل أمامها راتب معالي الوزير ويتوارى خجلاً، وإنما لأن للكراسي بريقاً تنجذب إليه نفوس البشر وتنقاد مسلوبة الإرادة، فالوجاهة التي يحظى بها أصحاب الكراسي التي من هذا الوزن لا تعيد تشكيل شخصياتهم وأسلوب حياتهم هم فقط، وإنما تعيد تشكيل شخصيات المحيطين بهم أيضاً وتغير من أسلوب تعاملهم مع أصحاب الكراسي. كيف يحدث ذلك؟ تصور لو أن لك صديقاً تلتقي به كل يوم في المقهى بعد الفراغ من العمل، وكثيراً ما خطر لكما أن تقوما بجولة في أحد المراكز، ليس بالضرورة من أجل التسوق، وقد تقطعان ساعة من الوقت للتريض والمشي على كورنيش مزدحم بالمتريضين مثلكما لحرق بعض الدهون أو منع تراكمها، وتمارسان ما يمارسه أغلب الناس من تصرفات تلقائية. تصور لو أن هذا الصديق أصبح بين يوم وليلة وزيراً أو مسئولاً كبيراً تتوقف مصالح كثير من الناس على تأشيرة منه أو توقيع ليس كسائر تواقيع خلق الله، فما الذي سيحدث؟ سوف تتوقف أولاً جلسات المقاهي لأسباب أمنية سوف تجد من يبررها، ثم لأن صاحبك قد أصبح شخصية عامة لا يصح أن تظهر في مثل هذه الأماكن مما سيغري الكثير من عباد اللّه ممن تحول بينهم وبينه أبواب مغلقة إلى ارتياد الأماكن التي يتردد عليها من أجل انجاز أعمالهم أو تسهيل مقابلته لهم عندما يأتون إلى الوزارة أو الدائرة التي هو مسئول عنها. ربما أخفى عنك صاحبك سبب امتناعه عن جلساتكما المعتادة وتعلل بكثرة المشاغل والاجتماعات وتعاظم المسئوليات.. لا بأس. ثم إنه سوف يمتنع بالطبع عن تلك الجولات التي كنتما تقومان بها في المراكز حتى لو كانت هذه المرة للتسوق، فكل ما يريده من احتياجاته سوف يصل إليه في مكتبه أو منزله.. ولن يجد أصحاب المحلات على اختلاف البضائع التي يتاجرون بها غضاضة في نقل بضاعتهم إلى المكتب أو البيت ـ وربما سعوا هم من أنفسهم إلى ذلك ـ كي يقوم صاحب المعالي أو السعادة باختيار ما يناسبه منها وإعادة الباقي إلى المحل، وسوف يمنحونه أسعاراً خاصة لا تمنح عادة لبقية خلق اللّه من غير المسئولين. أما الرياضة التي كانت ضرورية فستصبح ترفاً لا داعي له ومجهوداً يذهب بطاقة صاحبه ما دام اللّه قد منّ عليه بالصحة والخلوّ من الأمراض، أما الرشاقة فقد تغدو من الكماليات التي لا يسعى إليها، وربما أصبحت زيادة الوزن من متطلبات المنصب والوجاهة. ثم إنه إذا ما رغب أو فكّر في ممارسة شيء من الرياضة فهناك من الصالات والقاعات ما هو مخصص لأمثاله من الوجهاء وعلية القوم الذين لا يصح أن يطلع عليهم أو يختلط بهم أحد ممن هم دون مستواهم أثناء ممارستهم للرياضة. أما ما سيحدث في المحيط الذي يعيش فيه، فهو شيء فوق التصور، إذ سيغدو صاحبك بين عشية وضحاها شخصية يسعى لكسب ودها والتقرب إليها الجميع، وسيختلف أسلوب تعاملهم معه، وسوف تنهال عليه بطاقات الدعوة لحضور احتفالات الزواج والمناسبات المختلفة، وسوف تتصدر صوره صفحات المجتمع في الصحف والمجلات، وسيكون مطلوباً منه الإدلاء برأيه في كل صغيرة وكبيرة من شئون المجتمع مما يدخل في مجال فهمه واختصاصه، ومما لا علاقة له به من قريب أو بعيد. أما من يمت إليه بصلة قرابة أو نسب أو زمالة دراسة حتى، فسيناله جانب من الود، ويصبح هو الآخر محل تقدير واحترام واهتمام أصحاب المصالح، شريطة أن يكون حائزاً على الرضا من الجالس على الكرسي، أما إذا كانت الصلة مقطوعة والود مفقوداً بينهما فسيبقى في الظل، ولن يجد من يلتفت إليه أو يقيم له وزناً. وبعد أن يعيد صاحبك تشكيل شخصيته وسلوكه في المجتمع، ويعيد المجتمع تشكيل أسلوب تعامله معه، يصبح من الصعب عليه أن يتخلى عن كل هذا الذي ناله بفضل الكرسي بما وفره له من وجاهة ومهابة ورفعة شأن لا توفرها أشياء كثيرة ربما كانت أكثر قيمة لدى البعض من أمثالك كالعلم والثقافة والأدب وأمور من هذا القبيل تنظر إليها الكثرة الكاثرة من البشر باحتقار وازدراء. وإذا ما مضت الأحوال على هذا المنوال وألغيت المرحلة الانتقالية الفاصلة بين الكرسي والقبر، كما سماها مرة أحد الرؤساء السابقين المخلوعين من على كراسي الحكم في بلدانهم، فإن الأمور ستمضي على أحسن ما يرام، ولن تعود هناك في الأمر مشكلة. ولكن ماذا يحدث لو تخلى الحظ عن صاحبك ووجد نفسه خارج الوزارة أو مقذوفاً به من على الكرسي وقد انحسرت عنه الأضواء، وتوقف عنه سيل الدعوات، وانقطع رنين هواتفه التي كانت لا تهدأ، وانفض سامر المتملقين والمتسلقين وأصحاب المصالح من حوله، وعاد مخلوقاً عادياً من لحم ودم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كعهدك به قبل الوزارة أو الجلوس على الكرسي؟ عندها يتحتم على صاحبك الذي غدا «مسئولاً سابقاً» أن يتمتع بطاقة هائلة من التماسك ومواجهة الواقع بشجاعة ورباطة جأش، والاستعداد للصدمات التي سيواجه الكثير منها في الأشخاص الذين كانوا يحومون كالذباب حوله، وسيتعرض لمواقف لم يحسب لها حساباً حتى من أقرب الناس إليه. وما لم يحصن نفسه ضد كل ذلك فسيقع حتماً في دوامة من الإحباطات ربما أدت به إلى حالة من الاكتئاب قد تقوده إلى اعتزال المجتمع وفقد الثقة بالنفس والناس، ويصبح نهباً لأحلام الماضي الذي لن يعود، وأوهام المستقبل حيث الأمان مفقود. كل هذا قد يحدث لصاحبك إذا تم ذلك بيد غيره لا بيده. ولذلك فقد فاز وأفلح من انتصر لمبادئه وكرامته فانسحب في الوقت المناسب إذا كان من أصحاب المباديء التي تتعارض غالباً مع الرغبة في البقاء على الكراسي والتشبث بها. هنا أجدني أوجه التحية للصديق «الوزير السابق» الدكتور سعد بن طفلة العجمي الذي تولى وزارة الإعلام والثقافة في دولة الكويت الشقيقة عام 1999، ثم تقدم باستقالته من الوزارة بعد عام واحد من استلامه لها عندما وجد نفسه غير قادر على المواءمة بين الأفكار التي يحملها ويريد تطبيقها والواقع الذي يفرض نفسه عليه ويدعوه إلى التخلي عن أفكاره. وهي خطوة أقدم عليها في شجاعة كاملة، وقرار لم يتردد لحظة في اتخاذه، ليصبح وهو خارج الوزارة أكثر تألقاً وصدقاً وتوافقاً مع النفس منه وهو يتربع على كرسيها الوثير. وتلك سمة لا يتمتع بها إلا أولئك الذين يعرفون أنهم هم الذين يعطون الكراسي بريقها، وليست الكراسي هي التي تعطيهم ذلك البريق الذي سرعان ما ينطفيء وينحسر عنهم في اللحظة نفسها التي يغادرون فيها الكرسي. ويقيناً أن صديقنا الدكتور سعد يقدم من الخدمات للإعلام الكويتي والعربي الآن وهو خارج الوزارة أضعاف ما أتيح له أن يقدمه وهو مقيد على ذلك الكرسي، مشدود لتفاصيل وشكليات المنصب الرسمي، منشغل بقص شرائط المعارض ورعاية الاجتماعات والندوات والمناسبات التي تؤخر أكثر مما تقدم. ولذلك نقول مع الاعتذار للمثل المأثور: «بل هكذا تورد يا د. سعد الإبل» فقد أورد صديقنا الدكتور سعد من الإبل بعد أن رمى عن كاهله جلباب الوزارة أضعاف ما حالت قيود الوزارة دون جلب قطرة ماء له وهو جالس على كرسيها. وهذا هو الفرق بين من يسعى إلى الوزارة خاطباً ودها متمسحاً بأعتابها فتشيح بوجهها عنه، وبين من تأتي إليه الوزارة منقادة فيشيح هو بوجهه عنها