الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 من المستحيل ألا يكون القادة العرب قد استوعبوا المغزى الحقيقي لما ورد في حديث الرئيس بوش عند نهاية الاسبوع الماضي بشأن «بداية لمرحلة جديدة للسلام في الشرق الأوسط وبداية للتقدم نحو دولة فلسطينية ديمقراطية» بعد غزو الولايات المتحدة للعراق واحتلاله. وعلى خلفية المباركة الاميركية الثابتة للاجتياحات الدموية التي تقوم بها القوات الاسرائيلية على نحو يومي في الاراضي الفلسطينية المحتلة واعتبارها «دفاعا عن النفس»، فإن مغزى كلمات بوش يدخل ضمن فن «العلاقات العامة» في اطار الجهود الاميركية لاستقطاب التأييد العربي لضرب العراق. والخطاب ليس موجهاً إلى الانظمة العربية بقدر ما موجه إلى الشارع العربي. فالتعامل الاميركي مع الانظمة العربية في مثل هذه القضايا يجري عادة داخل غرف محكمة الاغلاق. ولان ادارة بوش تدرك اكثر من غيرها ان هناك فجوة كبيرة ومتعاظمة يوميا بين الحكومة والشارع في العالم العربي بشأن العراق، فإن المقصود في حديث الرئيس الاميركي في هذا الظرف تحديدا على خلفية قرع طبول الحرب حول «التقدم نحو دولة فلسطينية»، هو توفير ذخيرة دعائية للحكومات العربية لاستغلالها في اقناع الشارع العربي بأن الغزو الاميركي للعراق سوف يحقق ربحا مجزيا. مع ذلك فإن حديث بوش يفضح نفسه بنفسه، مما يجرده حتى من قيمته الشكلية الدعائية. فمن بين الثوابت الاميركية تجاه الصراع العربي الاسرائيلي الا يتحدث مسئول اميركي بحديث يمكن ان يكون في ظاهره لصالح الطرف العربي، حتى لو كان مجرد دعاية جوفاء، الا ويتبعه فورا، من باب الموازنة، وفي نفس السياق بشيء لصالح الطرف الاسرائيلي إلى درجة ان يلقى الجزء الاخير من الحديث معنى الجزء الاول. ظاهريا تبدو عبارتا «بداية لمرحلة جديدة للسلام» و«بداية للتقدم نحو دولة فلسطينية ديمقراطية» وكأنما هما بشرى للامة العربية تبرر ضرب العراق. ولكن خطاب الرئيس ينتقل في الفقرة التالية على الفور إلى شيء مختلف يجعل من البشرى نكتة. فزوال نظام الرئيس صدام حسين، يقول بوش، «سيحرم الشبكات الارهابية من راع ثري يدفع لتدريب الارهابيين ويعرض مكافآت لعائلات المفجرين الانتحاريين». ثم ان انظمة عربية اخرى، يضيف الرئيس الاميركي، «ستتلقى تحذيرا واضحا بأنه لن يكون هناك تسامح مع دعم الارهاب». هذه «الشفرة» يمكن ترجمتها كما يلي: أولا: ان «الشبكات الارهابية» هي المصطلح الاميركي لفصائل المقاومة الفلسطينية المسلحة بشقيها الاسلامي والوطني التي تتصدى للظاهرة الاحتلالية الاسرائيلية. ثانيا: ان «المفجرين الانتحاريين» هم كوادر الاستشهاديين التابعين لفصائل المقاومة المسلحة. ثالثا: عبارة «الانظمة العربية الاخرى» التي تدعم «الارهاب» اشارة ضمنية إلى سوريا. و«الارهاب» الذي تدعمه يتمثل اولا في استضافتها لقادة فصائل التحرير الفلسطينية، وثانيا تأييدها ودعمها لحزب الله اللبناني. ونعلم ان سوريا نفسها مدرجة على القائمة الاميركية للدول «التي ترعى الارهاب». واذا كان حديث الرئيس بوش في الجزء الاول من خطابه عن «مرحلة جديدة للسلام» و«دولة فلسطينية» مجرد تمرين دعائي رخيص لا ينبغي ان يؤخذ على مأخذ الجد، فإن الجزء الثاني الذي يتحدث فيه عن «الارهاب» كناية عن النضال الفلسطيني الوطني ضد الاحتلال الاسرائيلي ليس كذلك. فهذه هي الاجندة الاميركية الحقيقية من وراء خطة غزو العراق. على رأس الاجندة تغيير «خانة» العراق في معادلة الصراع الاسرائيلي بنقلها من الجانب العربي للصراع إلى صالح الجانب الاسرائيلي. هذا هو معنى قول الرئيس الاميركي بأن زوال النظام الراهن في العراق سوف يحرم «الشبكات الارهابية» (فصائل المقاومة) وعائلات «الانتحاريين» اي الاستشهاديين من مصدر تمويلي. ولو افصح بوش عن ذات نفسه اكثر لقال لنا ان اولى اولويات عراق ما بعد الغزو الاعتراف باسرائيل.. وفي مرحلة لاحقة فتح الاراضي العراقية لاستقبال مئات الالوف من الفلسطينيين من ضحايا سياسة «الترانسفير» التي سوف يدشنها شارون في اعقاب دحر العراق واحتلاله اميركيا. اما الوعيد المبطن الموجه إلى دمشق فإنه لا معنى له سوى ان سوريا يأتي الدور عليها مباشرة بعد العراق. واغلب الظن انه سوف يكون هجوما اسرائيليا كاسحا على سوريا مدعوما اميركيا ينتهي إلى حمل السلطات السورية اولا على حظر نشاط المنظمات الفلسطينية والتخلي عن دعم «حزب الله».. وثانيا النأي بنفسها عن الساحة السياسية اللبنانية. ومع التمعن في هذه الاجندة فإنك لا تملك الا ان تتساءل: ما علاقة هذا بمسألة اسلحة الدمار الشامل وقرار مجلس الامن رقم 1441؟ على ان السؤال الاكبر هو: ما موقف الانظمة العربية من اجندة اميركية تهدف صراحة إلى تصفية فصائل المقاومة الفلسطينية في الارض المحتلة والمنظمات الخارجية الفلسطينية في سوريا وضرب «حزب الله»؟ وهل بقي لهذه الانظمة عذر بعد ان صدع جورج بوش باجندته علنا وعلى رؤوس الاشهاد؟