الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 غالباً ما ينطلق البعض منا،عندما يتناول التركيبة الداخلية الإسرائيلية، ينطلق من مقولة التوحد العضوي والأيديولوجي، مسقطاً من أجندته أو تحليله أية إمكانية للخلاف الداخلي، باعتبار أن هذه التركيبة صماء وأن كل ما يدور من لغط أو خلافات داخلية، لا تتعدى التعارض المؤقت أو حتى لعب الأدوار المرسومة مسبقاً بهدف استثمارها سياسياً عند الطرف الآخر إقليمياً كان أو دولياً. أي أننا ننطلق دائماً على أن هذه التركيبة الاستيطانية القائمة في إسرائيل عصية على الاختلاف رغم قوائم الأسماء الحزبية اليسارية والقومية والدينية العنصرية، مسقطين حتى نسبية الأشياء في هذه التركيبة، لدرجة وصلنا إلى حالة من الجهل والتجهيل في فهمنا لطبيعة هذه التركيبة، خاصة وأننا نقيم فهمنا على أن كل التركيبات الاجتماعية الاستيطانية تقوم على مجموعة مفاهيم محددة لا يمكن تجاوزها أو الخروج عليها. قد يكون مفهوم الأمن هو المفهوم المحوري لكن بالمقابل لا يمكننا أن نسقط كل ما يجري داخل إسرائيل وتركيباتها الحزبية على أنها مجرد ذيول تابعة للمفاهيم والقيم الأمنية، رغم التوحد الكامل حول المفهوم الأمني الذي يعتبر العمود الفقري لبقاء ما يسمى بالدولة وتطورها. هذه التصورات بمجموعها حاولت اختزال الصراعات الانتخابية الأخيرة وما تلا ذلك من الإعلان عن تشكيلة حكومة شارون باعتبار أن ما يجري مجرد تورية أو تعتيم على ما يسمى بالتطابق في المواقف الإسرائيلية الداخلية بين مجموع القوى المكونة لهذه التركيبة، بصرف النظر عن الحجوم والأدوار. لكن بعيداً عن الرؤى والتوجسات المستندة إلى مواقف جاهزة ومعلبة، فقد بينت الأيام الأخيرة، خاصة مجموعة الاتفاقات الشارونية لتشكل حكومته الكثير من المواقف المغايرة، بل والمتضادة بين ما يسمى بالقوى الهابطة والقوى الصاعدة داخل هذه التركيبة الحزبية القائمة على الصراع الخفي والتنافس المعلن بسبب الطبيعة التي تحكم هذه التركيبة ومحيطها الجغرافي. ففيما يخص استبعاد بنيامين نتانياهو صاحب أكبر تجمع داخل حزب الليكود نفسه على سبيل المثال، من داخل التركيبة الحكومية بإبعاده عن حقيبة الخارجية التي كان مكلفاً بها، يعتبر بحد ذاته صراعاً داخلياً في الحزب، لجهة انحياز جزء من هذا الحزب إلى ما بات يعتبر بالقوى الناهضة داخل إسرائيل والتي تتمثل، بالأحزاب الدينية والقومية الدينية الأكثر تطرفاً، والتي باتت تعمل على ملء الفراغ الذي أحدثه تراجع الأحزاب الصهيونية مثل حزب العمل وحتى حزب الليكود الذي كان نجاحه المبهر هذه المرة ليس بسبب أيديولوجيته الصهيونية بقدر ما كانت سياسته المتشددة في مواجهة الفلسطينيين والتسوية العربية الإسرائيلية المنوي إحياؤها في الأيام المقبلة. بمعنى أنه كان الأقدر على استثمار سياسته لاقناع الكثير من القوى الصغيرة، بما في ذلك استثمار تفتت العمل وانفضاض الكثير من أنصاره الذين صبوا لمصلحة الليكود في معظمهم باعتباره الحزب الصهيوني الرديف، وهذا الأمر بحد ذاته وكما صرح العديد من قادة العمل بأنه أفقد العمل من أربعة إلى خمسة مقاعد على أقل تقدير. بالعودة إلى ما تقدم يمكننا التنبه إلى أن مرحلة كسر العظم قد بدأت تظهر على أشدها ما بين القوى السياسية داخل إسرائيل، ولعل البداية كانت في عزل المتعاطفين مع نتانياهو كما أسلفنا عن الحقائب الحكومية، وإعطائها للمقربين من سياسة شارون مثل سلفان وأولمرت وغيرهم ممن وافقوا على مشروع شارون القاضي من وجهة نظره، هزم الإرهاب وجلب السلام والخروج السريع من الركود نحو النمو الاقتصادي والسير نحو الوحدة. بالإضافة إلى كسر العظم بشكل غير مسبوق مع القوى الدينية المتشددة مثل حزب شاس، الذي كان قد استكان إلى دخوله للحكومة ولم يكن يتصور عزله بهذه الطريقة، انطلاقاً من أن الليكود أكثر ميلاً من حزب العمل للقوى الدينية، وقد يكون الاتفاق بين حزبي الليكود وشينوي العلماني الذي حاز على خمسة عشر مقعداً في انتخابات الكنيست الأخيرة الأمر الذي عبر بكل وضوح عن موقف شارون المتشدد ضد الأحزاب الدينية. وقد لا يرقى للشك أن التصريحات التي أطلقها الزعيم الروحي لحزب شاس الديني الشرقي «عوفاديا يوسف» باتهام شارون بالخيانة بتشكيله «حكومة مهملات» تعتبر بحد ذاتها المقدمة للصراعات القادمة فيما بين ما يسمى باليمين العلماني القومي واليمين الديني اليهودي . وقد كان الأكثر تعبيراً عن هذا الصراع، عالم الاجتماع الإسرائيلي مناحيم فريدمان الذي صرح:«بأن قرار شارون يترجم صعود العداء لليهود المتشددين الذين يبلغ عددهم في إسرائيل نحو 500ألف على الأقل». وأضاف الباحث في جامعة بار ايلان، أن معظم الإسرائيليين لم يعودوا مستعدين لتمويل المؤسسات المتشددة التي تضاعفت دون رقابة وبشكل مفاجئ في إسرائيل. أي أن القوى القومية الصهيونية والذي يمثلها شارون وبعض اتجاهات العمل المتشددة، التي مثلها بوضوح بنيامين بن ألعيزر رئيس حزب العمل السابق والمفدال والاتحاد الوطني المشكل من يسرائيل بتينو وموليدت وتكوما، وشينوي بطبيعة الحال ستدخل حلقة صراع كسر العظم كما أشرنا مع القوى الدينية، انطلاقاً من أن هذه القوى هي المنافس الوحيد للأحزاب الصهيونية العلمانية، وأنه بات لزاماً من وجهة نظر تحالف شارون الحكومي الجديد خوض المعركة مع هذه القوى حتى النهاية. وليس من الغرابة بشيء إذا ما اعتبرنا أن اتفاقية شينوي والليكود بإعطاء خمس حقائب وزارية للأول، مثل وزارات العدل والداخلية والبنى التحتية والبيئة والعلوم وتعيين نائب من شينوي لوزير الداخلية يعتبر بحد ذاته تحدياً واضحاً لشاش ولغيره من الأحزاب اليهودية. لدرجة دفعت بعض قيادات الأحزاب الدينية مثل شلومو بن عزري وزير العمل في الحكومية المنتهية ولايتها بوصف زعيم شينوي بأنه «عدو لدود لليهودية». هذا الاتهام لشينوي هو اتهام لشارون ذاته بسبب تحالفه معه، ولعل ما دفع شيمون بيريز وزير الخارجية السابق عن حزب العمل باتهام شارون، على أنه أحدث من خلال تحالفه مع شينوي تغييراً جوهرياً في السياسة الإسرائيلية، ليست سوى محاولة للعب على الحبال لكسب ود المتدينين بعد الخسارات المتلاحقة التي طالت حزب العمل العلماني من جهة، وتوتيراً للصراع الحامي الوطيس بين الليكود والمتدينين، الذي قد يعيد للعمل مكانته من خلال حلبة الصراع بين تلك القوى. بالمقابل ودفاعاً عن الخط الصهيوني الهابط، ورغم الإعلان عن تشكيلة الحكومة الإسرائيلية، إلا أن شارون يقف منتظراً العمل من أجل عودته إلى الحظيرة الصهيونية الذي أصبح يمثلها الليكود هذه الأيام، بل أنه يسعى من خلال انتظاره هذا إلى عزل القوى الأكثر اعتدالاً داخل حزب العمل كمتسناع على سبيل المثال والرفع من شأن بنيامين بن ألعيزر وغيره من صقور العمل، وابعاد ما أمكن قوى اليسار والعرب عن أية فاعلية سياسية، وبما يؤمن له شبكة أمان. مستغلاً موقف بن ألعيزر وبعض حلفائه المعارضين لسياسة رئيس الحزب متسناع، والتي ظهرت بشكل جلي وواضح بعد فشل المداولات حول الانضمام إلى حكومة ائتلافية برئاسة شارون. ختاماً يمكننا القول أن شارون سيبقى يدافع بكل ما عنده من أدوات ووسائل لضرب كل القوى الدينية حتى ولو اعتمد على شينوي والمفدال والاتحاد الوطني، بل متسناع نفسه من جهة، أما من الجهة الأخرى فسيبقى بالعمل على تحجيم القوى الداخلية في حزب الليكود التي تعارض توجهه السياسي للأيام المقبلة والتي على ما يبدو تحظى بعض الشيء بالقبول الأميركي، بموازاة ذلك سيبقى يضغط على متسناع داخل حزب العمل من أجل إلحاقه بالأيام المقبلة في حكومته. لكن السؤال المهم هل ستستسلم القوى الدينية الناهضة والتي قامت على أساس من تراجع المشروع الصهيوني وأدواته؟ وهل ستبقى القضية برمتها مقتصرة على التصريحات والبيانات أم أن قوى انتهازية جديدة ستظهر إلى السطح في ظل معركة كسر العظم لتشكل حجر الرحى؟ ـ كاتب فلسطيني