الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 ينقل عن أحد كبار الحكماء قوله بان الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان خيَّره بين ثلاثة أن تكون هي الأولى له: الدين أو العقل أو الحياء فاختار العقل ولما سُئل لماذا قال: باختياري العقل أكون قد كسبت الدين والحياء أيضاً، لأن العاقل لا يمكن له إلا أن يكون متدينا وإلا أن يفقه ويدرك بعقله معنى الحياء وأهميته. الآن ونحن نقارب الساعات الأخيرة من احتمال اندلاع الحرب على العراق يبدو أن العالم قد دخل مرحلة الجنون التي لا رجعة عنها. وإذا ما صدقت تحليلات غالبية السياسيين الذين ظلوا يقولون بحتمية اندلاع الحرب وكذبت رؤياً المنجمين مهما حاولوا اقناع العالم بعدم اندلاعها فان العالم يكون قد دخل مرحلة الجنون الفعلي لا محالة.. من حق الرئيس الأميركي جورج بوش الأبن ان يضع في أعلى سلم أولوياته الدفاع عن أمن بلاده القومي ومن حقه أيضاً أن يتخوف ويظل قلقاً ومستنفراً من احتمال تعرض بلاده مجدداً لما تعرضت له من ضربة موجعة في الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م.. ومن حقه كذلك ان يحشد كل طاقات بلاده وطاقات حلفائها لمنع تكرار وقوع الكارثة. نقول هذا باعتباره من منطق الاشياء بعيداً عن عواطفنا الذاتية أو مواقفنا الخاصة. لكن على رئيس الولايات المتحدة الأميركية ان يعرف جيداً كذلك بان ما حصل لبلاده ولشعبه ـ أياً كان تقييم العالم لتلك الواقعة الشهيرة سلباً أو ايجاباً ـ لم يكن مطلقاً بفعل قرار اتخذته أية دولة ولا اية قومية ولا أية قوة سياسية أو دينية معلنة ومعروفة للملأ مثلت أو تمثل يوماً طرفاً دولياً معترفاً به بل ان ما حصل لم يكن في الواقع سوى رد فعل على مجموعة من الممارسات والتراكمات السياسية المتوالية مسئولية عنها بالدرجة الأولى الولايات المتحدة الأميركية وقامت بتنفيذه جهة تربت وتدربت وترعرعت بين يدي تلك الجهات أو ولدت وكبرت في رحمها أو انبعثت من جرائها سواء رضيت بذلك الولايات المتحدة أم لم ترض هذا إذا ما قبلنا بالرواية الأميركية المعلنة بخصوص المتهم الأول والمخطط الأول عن عملية الحادي عشر من سبتمبر وأما إذا اتضح غير ذلك فالمصيبة أعظم. أيا كان الحال فان واقعة سبتمبر 2001م لم تكن إعلان حرب من جهة مسئولة ومعترف بها على اي مستوى من مستويات المسئولية. انها عملية «إرهابية» لم نسمع أية جهة مسئولة في الدنيا ايدتها أو اقرتها حتى اسوأ الجهات ديكتاتورية وظلما واستبداداً ودموية. بالمقابل فانه لا احد في الدنيا اليوم حتى اقرب المقربين من الإدارة الأميركية من سياسيتان وعسكريين امريكيين ناهيك عن الحلفاء الدوليين والاقليميين فضلا عن عشرات الملايين من جمهور الرأي العام العالمي بالطبع عدا المجموعة الصغيرة من العسكريتاريا المحيطة مباشرة بالرئيس ـ يتجرأ ان يعلن موقفاً مؤيدا ومسانداً لقرار الحرب على العراق في الوقت الذي لا تمر فيه فرصة سانحة امام الرئيس بوش الا ويستغلها للاعلان عن نيته الصريحة لغزو العراق واستخدام القوة العسكرية ضده! وكما تعالت الاصوات المناهضة للحرب والغزو وازدادت واتسعت دوائرها تراه هو ومعه ما بات يطلق عليهم بفصائل مؤتمر لندن للمعارضة العراقية أو ما اصطلح على تسميتهم لدى البعض بفصائل الاستدعاء أي الذين استدعتهم واشنطن على عجل في لحظة انتهازية نادرة يتهمون كل من يقف ضد الغزو والحرب ويدعو للطرق السلمية وآليات الاستئصال السياسي لاسلحة الدمار الشامل والاستبداد والديكتاتورية بانه انما يمد في عمر نظام صدام حسين أو عميلا له!! لا أحد يستطيع ان يفهم كيف تبرر الإدارة الأميركية لنفسها ان تعلن وعلى رؤوس الاشهاد وفي اطار قعقعة مدوية، للاسلحة بانها ذاهبة لغزو بلد بكامله بقرار منها أو منتزعاً من الأمم المتحدة ـ بالمناسبة لا فرق في ذلك في الجوهر الاخلاقي ـ في حين تدعو العالم وتحشد منذ واقعة سبتمبر الشهيرة ضد العنف واخطار استخدامه من قبل جماعات أو افراد لا يملكون واحداً بالمليون مما تملكه اميركا! في العام 1956 هاجمت كل من فرنسا وبريطانيا واسرائيل مصر فيما عرف بالعدوان الثلاثي وكانت اميركا في طور صعودها على المسرح الدولي كقوة لم توصم بعد بالامبريالية، فكان ان وقفت غير مؤيدة للثلاثي المعتدي وبعد ذلك تطور الموقف إلى حد إنذار الدول بالانسحاب فانسحبت بالفعل وسقط المعتدون في وحل الجريمة ومستنقع العدوان. اليوم وبعد مرور نحو خمسين عاماً على تلك الواقعة نرى التاريخ يكاد يكرر نفسه ولكن هذه المرة بالعكس، فالمهاجم هو الولايات المتحدة ومعها بريطانيا التابعة كما كانت في العام 1956م في حين أن «أوروبا القديمة» أي فرنسا ومعها ألمانيا وآخرون يحذرون واشنطن من كارثة بشرية يمكن أن تسببها الحرب غير المبررة. وحده الجنون التاريخي، كما عبر عنه أكثر من صانع قرار أوروبي وأميركي بين سياسي أو رمز من رموز النخب الغربية هو الذي يمكن التي يبرر لمثل هذه الحرب أما الاخلاق والحياء والكرامة وكل الصفات الإنسانية فانها ساقطة لا محالة عند كل من يمكن ان تسول له نفسه ان يقف لجانب هذه الحرب. وكما تقول الحكمة البابلية الشهيرة: إذا استعملنا العدالة فلا حاجة لنا بالشجاعة! ولتعلم الولايات المتحدة الأميركية وغيرها ممن يقفون اليوم في صدد المروجين لحرب محتملة على العراق أنهم انما يطلقون النار في حربهم الخليجية الثالثة هذه في الواقع ضد صوت الاعتدال والوسطية والصوت والصورة المتوازنة ويغذون بالمقابل جهة المتطرفين والراديكاليين والذين لا يقبلون بأقل من التهديد بـ 11 سبتمبر ثانية وثالثة ورابعة لا يعلم الا الله متى وكيف تندلع؟! وبالتالي فإن المروجين للحرب على العراق هم المسئولون عن اعمال الارهاب المستقبلية. فهل تعرف إدارة بوش ذلك جيداً؟! أم أنها لا تدري الى أين تقود العالم بسياستها الحربية خلافاً للأكثرية الساحقة من قوى العالم؟ أن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم! ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الإيراني