الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 لا أحد الآن يذكر هذه الحقيقة: الولايات المتحدة التي تقود الآن ما تسميه بـ «الحرب ضد الارهاب» هي الدولة الوحيدة التي أدانتها محكمة دولية بممارسة الارهاب الدولي، ووفقا لحكم المحكمة فالولايات المتحدة مدانة لاستخدامها غير القانوني للقوة ولأسباب سياسية، وعليها أن تتوقف تماما عن ارتكاب تلك الجرائم وان تدفع التعويضات الكافية لضحاياها. كان ذلك في الثمانينيات من القرن الماضي، وكانت الإدارة الاميركية قد قررت استهداف نيكاراغوا ومارست ضدها كل الضغوط الممكنة ثم أوعزت الى حلفائها لوقف تزويدها بالأسلحة على أمل أن تلجأ نيكاراغوا الى شراء الأسلحة من روسيا فتبدأ في تصويرها على أنها خطر على الأمن الاميركي وجزء من حلف الشيطان «الذي كان روسيا في هذه الأيام». إدارة ريغان التي أشاعت حصول نيكاراغوا على طائرات روسية صعدت هجماتها العسكرية على البلد الصغير، ضمن استراتيجية تستهدف ضرب «الأهداف السهلة والرخوة» أي المراكز الصحية والتي ذهب ضحيتها عشرات الألوف من الضحايا، بالاضافة الى التدمير الكامل لمنشآت نيكاراغوا وبنيتها الأساسية. ولجأت نيكاراغوا الى المحكمة الدولية وحصلت على حكم يدين العدوان الاميركي ويطلب وقفه. وبالطبع رفضت الولايات المتحدة حكم المحكمة، وعندما لجأت نيكاراغوا الى مجلس الأمن استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو ضد قرار يدعو كل الدول للانصياع للقانون الدولي.. فالقانون الدولي شيء لا تعترف به واشنطن الا اذا كان في صالحها، والفيتو أمر طيب حين تستخدمه هي، أما اذا ألمحت فرنسا لاستخدامه لوقف المذبحة التي تدبرها اميركا لشعب العراق والتي قدرت المصادر ضحاياها بنصف مليون مدني عراقي.. اذا حدث ذلك فهو عمل شرير يؤدي الى الحكم بالموت على الأمم المتحدة وانهاء دورها كما يهدد الرئيس الاميركي الآن! إرهاب الدولة قصة الإدانة القضائية الدولية للارهاب الاميركي يجري تجاهلها عن عمد، ولكن المفكر الاميركي الكبير نعوم تشومسكي توقف عندها طويلا اثر زلزال 11 سبتمبر، ومع تصاعد الحديث عن الحرب ضد الارهاب التي قالت الإدارة الاميركية انها ستقود العالم فيها. توقف تشومسكي ليس فقط ليؤكد أن جماعة ابن لادن والجماعات المماثلة التي قاتلت في افغانستان هي صناعة اميركية في الأساس، وانما أيضا ليؤكد أن الارهاب عند الإدارة الاميركية هو سياسة دولة. وأن الأمر لا يتعلق بشخصية الحاكم بل بطبيعة الحكم والقوى المسيطرة عليه. ولا يقف المفكر الشجاع هنا كثيرا أمام الحروب الكبيرة التي خاضتها الولايات المتحدة من كوريا الى فيتنام، وانما يقف أمام أحداث أخرى هي الدليل عنده على ارهاب الدولة في اسوأ صوره. مثلا: في عام 1985 تم تفجير شاحنة أمام مسجد في بيروت في توقيت محدد لتقتل أكبر عدد ممكن من الناس عند مغادرتهم للمسجد. وكما ورد في تقرير في صحيفة «واشنطن بوست» بعد ذلك بثلاث سنوات قتل في هذا التفجير 80 شخصا وجرح 250 أغلبهم من النساء والأطفال. وكان التفجير يستهدف أحد رجال الدين المسلمين ولكنه نجا من الحادث. ومثلا: الأكراد الذين تدعي واشنطن الآن أنها تتدخل لحمايتهم من بطش النظام العراقي، والذين يواجهون الآن لحظة الحقيقة حين يتأكد لهم أن الأتراك قادمون مع الغزو الاميركي. انهم يتذكرون ماذا فعلت تركيا بالشعب الكردي ولكنهم قد لا يتذكرون أن ادارة الرئيس كلينتون منحت تركيا 80% من الأسلحة التي استخدمتها في سحق الأكراد في تركيا، وكما يقول تشومسكي: كانت جرائم تركيا أحد أبشع حملات التطهير العرقي والتدمير في التسعينيات والتي لا يعرفها أحد بسبب مسئولية الولايات المتحدة الأساسية عنها. ويضيف المفكر الاميركي قائلا: وعندما يتم طرح هذه المجازر يعتبر ذلك من سوء الأدب ويتم تجاهلها باعتبارها مجرد خطأ بسيط حدث في غمار تفاني اميركا من أجل القضاء على الإنسانية في كل مكان!! ومثلا: حادث تدمير مصنع الشفاء للصناعات الدوائية في السودان، والذي يصفه تشومسكي بأنه كان مجرد سطر قصير في سجل ارهاب الدولة سرعان ما نسيناه. رغم أن المصنع كان ينتج أكثر من نصف المنتجات الدوائية في بلد فقير عاجز عن استيراد الدواء ليسد الفجوة التي حدثت في احتياجاته الدوائية. لقد كتب السفير الألماني في السودان يقول: من الصعب تقدير عدد من ماتوا في هذا البلد الأفريقي الفقير بسبب تدمير مصنع الشفاء، والرقم المعقول يدور حول عشرات من الألوف. ويتساءل المفكر الاميركي: ماذا يحدث لو أن شبكة ابن لادن دمرت نصف الامدادات الدوائية في الولايات المتحدة والمعدات اللازمة لاعادة توفيرها. هل سيتكرر ما حدث بعد تدمير مصنع الشفاء حين قالت الادارة الاميركية ببساطة: يا للأسف، لقد وقع خطأ غير مقصود. ولننتقل الى الموضوع التالي، ونترك الضحايا يتعفنون. ومثلا: ما هو الوصف الملائم لدولة تفرض حصارا على دولة اخرى لأكثر من 5 سنوات كما فعلت ـ ومازالت ـ مع العراق. وتظهر وزيرة خارجيتها «مادلين اولبرايت» على شاشة التلفزيون وتواجه سؤالا حول هذا الحصار الذي تسبب في قتل نصف مليون طفل عراقي، ويكون الجواب بدم بارد: إن ما حدث هو الخيار الصعب الذي كان على الادارة الاميركية تجاوزه، لأن العائد ـ كما تؤكد الوزيرة الاميركية السابقة ـ يستحق مثل هذا الثمن!! ديمقراطية الغزاة وتتصل الحلقات لكي نصل الى الموقف الحالي، واميركا تحشد قواتها في منطقتنا لغزو العراق، والهيئات الدولية تعلن أن ضحايا الغزو القادم سيصلون الى نصف مليون عراقي، وان المشردين سيصلون الى عدة ملايين والعالم كله يرفض هذا العدوان، واميركا مصممة على المضي فيه لأن العائد - وهو أضخم احتياطي من النفط في العالم - يستحق مثل هذا الثمن! ومع الفشل الاميركي في ايجاد مبرر لعدوانها تقنع حتى أقرب حلفائها، يأتي خليفة أولبرايت في وزارة الخارجية الاميركية ليضع الدول العربية على قائمة الانتظار، بعد أن أكد أن احتلال العراق ليس الا البداية لعملية واسعة لاعادة تشكيل المنطقة وفقا للمصالح الاميركية. أما رئيسه بوش فيبشرنا(!!) بأن احتلال العراق سيقدم النموذج الجديد للديمقراطية الذي سيتم تطبيقه على كل الدول العربية. أي مفارقة أن تكون الدولة الوحيدة المدانة بحكم قضائي عالمي بالارهاب هي راعية الديمقراطية في العالم؟! وأي خير نرتجيه إذا كانت تذهب لحرب صليبية جديدة تبدأها في العراق لتمر على أجساد نصف مليون عراقي ووطن مدمر لتسيطر على البترول وتبني الامبراطورية التي تحكم بها عصابة الشر التي سطت على البيت الأبيض؟ ثم.. أي ديمقراطية ستقيمها على بحر الدماء في العراق وكيف ستعممها على الشعوب العربية كلها؟ هل هي الديمقراطية التي اقامتها على يد سوهارتو في اندونيسيا في الستينيات حين جعلته ذراعها لينقلب على الحكم الوطني وليغرق اندونيسيا في دماء مئات الألوف، بينما واشنطن تهتف له باعتباره رسولا للحريات وممثلا للديمقراطية التي تريدها للعالم كله؟ أم هل هي الديمقراطية التي اقامتها في شيلي حين استخدمت بينوشيه للانقلاب على واحدة من أعظم تجارب اليسار الديمقراطي، ويكرر تجربة اندونيسيا في المذابح البشعة تحت حماية واشنطن ورعايتها وتكريمها الذي استمر سنوات حتى أصبح عبئا على الادارة الاميركية فتم التخلص منه كما حدث للعديد من العملاء الذين استخدمتهم اميركا حتى استكملوا مهمتهم، ثم كان مكانهم زبالة التاريخ؟! أم هل هي الديمقراطية التي ساندت أبشع حكم عنصري في جنوب أفريقيا لسنوات طويلة راح ضحيتها مئات الألوف من المواطنين الافارقة الذين كانوا ـ في نظر واشنطن ـ ارهابيين لانهم يطلبون الحرية ويحلمون بالعدل والمساواة؟! قد يكون هذا من حديث الماضي، لكن الحاضر أكثر بشاعة.. فأمامنا الديمقراطية التي اقامتها واشنطن في افغانستان على جثث عشرات أو مئات الألوف من ابنائه.. استخدمتهم واشنطن ليحاربوا في معركتها ضد الاتحاد السوفييتي حتى سقط، ثم سلطت عليهم حكم طالبان التي صنعتها بأيديها، ثم اسقطتها بعد أحداث 11 سبتمبر، بعد مجازر راح ضحيتها الأبرياء بعشرات الألوف.. لتكون افغانستان بعده نموذجا صارخا للديمقراطية التي تريد اميركا اهداءها لشعوب المنطقة! أي نموذج للديمقراطية يريد الرئيس بوش تقديمه للعرب بعد ان يكون قد مر على جثث مئات الألوف من ابناء شعب العراق، وبعد أن يحكمه جنرال أميركي، وبعد أن يدخله في نار الحروب الطائفية والعرقية، وبعد أن يضع بتروله تحت الهيمنة الاميركية ويرهن عائداته الى الابد؟! مسلكية استعمارية ألا يكفي اميركا هذا النموذج الآخر الذي اقامته في المنطقة قبل أكثر من نصف قرن باعتباره واحة الديمقراطية وحولته الى ترسانة من الحقد والكراهية والأسلحة التقليدية، ومنحته كل الدعم ليطرد شعبا من أرضه ويستنزف كل طاقات العرب على مدى نصف قرن، ويحتل أراضي في ثلاث دول عربية ويهدد المنطقة بترسانته النووية، ثم يقيم مجزرة يومية لمن بقى من شعب فلسطين على أرضه تحت سمع وبصر صانعة الديمقراطيات الاميركية التي مازالت تمنحه كل البركة والدعم وطائرات الأباتشي والفانتوم التي تقتل أطفال الفلسطينيين بينما الرئيس الاميركي يصف كبير السفاحين الاسرائيليين بأنه رجل السلام! هل هذه هي النماذج الديمقراطية التي يريد الرئيس الاميركي بوش تسويقها في العالم العربي؟ وأي ديمقراطية يمكن بناؤها على دماء الشعوب التي تسفكها اميركا من أجل البترول؟ إنه الاستعمار في أبشع صوره مهما كانت محاولات التعمية والمغالطات. انه نفس ما فعلته دول أوروبا على مدى قرون.. استعمرت واحتلت ونهبت الثروات وهي تزعم أنها تنشر الحضارة والمدنية في شعوب محرومة منها. بينما الشعوب تزداد فقرا ومعاناة تحت وطأة الاحتلال، وأوروبا تزداد ثراء من دم الشعوب. لكن أوروبا ـ من جانب آخر ـ دفعت الثمن غاليا، فالأطماع الاستعمارية دفعتها الى الاقتتال والى الحروب الطاحنة فيما بينها، ومع الدمار والخراب وعشرات الملايين من الضحايا تعلمت أوروبا الدرس. وهي عندما تقف اليوم أمام الهوس الاميركي المتجه نحو الحرب فهي تفعل ذلك بالطبع دفاعا عن مصالحها، ولكنها أيضا تفعل ذلك لأن هذا هو درس التاريخ الذي تعلمته والذي لم تتعلمه اميركا حتى الآن، لأن الحرب كانت ـ حتى 11 سبتمبر ـ تتم خارج أراضيها. أوروبا التي عانت من الحروب تقف الآن في وجه ارهاب الدولة الذي تمارسه اميركا، وشعوب العالم كلها تقف ضد الحرب، ويبقى العرب ـ وهم هدف الحرب القادمة ووقودها ـ مطالبين بالخروج من حالة العجز التي لازمتهم طويلا، وبأن يقولوا لا واضحة قوية لحرب تستهدفهم جميعا، وبأن يستخدموا ما يملكون من اوراق ـ وما أكثرها ـ ليقفوا مع عالم يرفض الحرب الاميركية المجنونة، ويدافع عن وجودنا بأكثر مما نفعل نحن حتى الآن! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية