الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 نقف اليوم امام سؤال جديد طرح اثناء مشاركتي في برنامج «صفحات» الذي يعده ويقدمه محمود الورواري وتبثه اذاعة الشارقة. وكان المتحدث هو الدكتور ثامر الدغيدي الاختصاصي النفسي الذي فتح سؤاله الطريق للحديث عن الاضطرابات السلوكية الناتجة عن اضطرابات الشخصية التي يعاني منها كثير من الآباء والامهات، وتساءل قائلا: «ما مدى امكانية استدراك جوانب القصور المعرفي والسلوكي الذي يعاني منه الاباء. وهل ثمة اقتراحات معينة تساعد الاباء في منع حدوث المزيد من التدهور في ادائهم التربوي وعلاقاتهم الاسرية»؟ ان خطورة هذا السؤال تكمن في انه ينفذ الى الحقيقة الغائبة عن وعي كثير من الآباء والامهات حول اهمية ان يراجعوا رصيدهم من الخبرة العلمية، ويقيموا اداءهم السلوكي لكي يتسنى لهم الارتقاء بادواتهم التربوية بعيداً عن الاجتهادات الخاطئة والتجارب العشوائية التي لا تستند الى حقيقة علمية، ولا يدعمها رأي وجيه. غير ان ما يؤدي الى تفاقم هذا الوضع الذي يعاني منه الآباء هو المكابرة في الاعتراف بالحاجة الى مزيد من التأهيل في الادوار التربوية، اذ نقف ـ مع الاسف الشديد ـ على جملة من ردود الافعال التي لا تليق بمن استلموا اعظم المهمات وارقاها واكبرها اثرا وقيمة. والسبب في الهجوم غير المبرر على الرأي الذي يطالب اولياء الامور بالاجتهاد في اكتشاف افضل الوسائل التي تدعم اهدافهم التربوية، يرجع مع الاسف الى فكرة التراكم الأكيد للخبرة من خلال الزمن المتاح دون ان يشترطوا توظيف الزمن لاحداث التغيير الايجابي في شخصية الانسان. فحوى هذه النظرية المنغلقة ان تجربة السنين الطويلة في الحياة تكفي وحدها لانضاج سلوك الآباء، وتغذية عقولهم بشتى انواع المعرفة التي يحتاجون اليها في حياتهم الاسرية. وبالتالي فليس ثمة حاجة الى مزيد من الجهد في هذا الجانب لان خبرة السنوات الطويلة تفي بالغرض وتحقق المطلوب!! لقد اعتقد هؤلاء الناس خطأ ان ثمة علاقة طردية تربط بين الانسان والزمن، فكلما مرت السنون كلما زاد الوعي وتطورت الخبرة وارتقت المعرفة، ونضج السلوك، واكتمل عقل الانسان واصبح مهيأ ليقود من هو اصغر منه ويوجه الاجيال التالية طالما ان الفارق الزمني بين الجيلين كبير. وكلما تباعد الفارق الزمني ـ حسب هذا الرأي الاعوج ـ كلما اقترب الكبار من دائرة الكمال واتصلوا بالحكمة التي تنقاد اليهم طوعاً واختياراً. والغريب حقاً ان كثيرين لم يكتشفوا خطأ هذه النظرية وهشاشتها وانها لا تعدو ان تكون ثرثرة فضحها الواقع وجردها من كل عناصر الفاعلية والتأثير. وقد فرق العلم الحديث بين نوعين من الزمن، هما الزمن الخارجي والزمن الداخلي، ورأى ان الزمن الخارجي لا يعدو ان يكون زمناً تراكمياً يحسب بالثواني والساعات وهو غير ذي قيمة، وهو ما سماه الاغريق «chronos» اي الزمن الخارجي. فالدقيقة هنا لا تساوي اكثر من ستين ثانية، والساعة ـ من هذا المنظور ـ تتحكم في حياتنا. ومن هنا جاءت النظرة القيمية للزمن التي تفصل ما بين المرور المجرد للوقت وما بين الفاعلية في التعامل مع الوقت. فالوقت الحقيقي هو الذي يكون وعاءً لتحقيق نوع من الفوائد المعرفية والخبرات المتنوعة التي تثري حياة الانسان العقلية والروحية والمعنوية وتضيف الى رصيده من النجاح ما يضاعف من حماسه لاستثمار المزيد من الوقت في التطوير او النمو والايجابية. وعلى هذا فالزمن الداخلي هو الزمن الخارجي بالاضافة الى قيمته، الامر الذي يهدم نظرية العلاقة الطردية بين الانسان والزمن، ويمهد لفلسفة جديدة تهتم بمناقشة طريقة التعامل مع الزمن وتميز بين الاداء الجيد والاداء الرديء، وتنتقد من يهدر وقته ويبدد السنوات الطويلة اعتماداً على نظرية روّجها الجهل وانتشرت في الاوساط الشعبية وبين الفئات التي حرمت من مصادر المعرفة الحديثة. ان اصلاح منظومة الافكار التي لدى الآباء والامهات هو المرحلة الاولى التي تمهد لاصلاح الممارسات التربوية، وتهييء لانجاح الاهداف الكبرى التي يطالب بها التربويون والمشتغلون بقضايا التنشئة الاسرية في عالمنا اليوم