الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 قليلة هي المدن التي تملك من المؤهلات النادرة على نحو يمكنها من نقش اسمها في ذاكرة الزائرين العابرين. كل المدن امست متشابهة في التخمة والترهل والازدحام. عديدة هي المواصفات التي تحفر بها كوالالمبور اسمها في طلاقة على ذاكرة زوارها. لو أن العاصمة الماليزية قُدَّت في قامة امرأة لجاءت حسناء فارعة مفرطة في الاناقة ومترفة في الجمال وذات جاذبية لا ينجو احد من الافتتان بها. كوالالمبور مدينة تأسرك منذ الوهلة الاولى وهو انطباع يترسخ على قدر ما توغلت فيها ولديها من القدرة على العطاء ما يشبع نهمك. الطبيعة منحت المدينة في سخاء، غير أن الانسان لم يترك عطاء الطبيعة على سجيته فتدخل وأضاف اليه من خياله وذوقه وقدرته على التصفيف والتنظيم والابداع. ذاكرتك تظل معبأة بمشهد استثنائي من الخضرة اللامتناهية. كوالالمبور بؤرة حضرية وسط دغل استوائي يعد احد اقدم الغابات على وجه الارض. الاشجار المشرئبة الى السماء والتي تزحم الافق تتسلق جبالا تكاد تحيط بالمدينة احاطة السوار بالمعصم. رغم ذلك الارتفاع المتقاطع بين الحجر والشجر ظلت كوالالمبور تحتفظ لنفسها بصدر رحب فيمكن ارسال البصر عبر المدى دون ان ينتابك احساس بالاصطدام. رغم ان المدينة تزخر بعدد مهول من البنايات الشاهقة الا انها ظلت تحتفظ بهذه الرحابة المريحة فبدا المشهد العام شاهداً على ابداع قلما يُجارى في الرسم الهندسي. مع وجود البرجين التوأمين الشهيرين وعدد لا يحصى من البنايات التي ترغب في الاصطفاف الى جانب البرجين دونما بلوغ محاولة المنافسة الا ان المدينة ابعد ما تكون عن الاختناق الذي يطبع المدن الحديثة والعتيقة نتيجة تزاحم الغابات الاسمنتية. في كوالالمبور اكثر من مئة فندق بينها 51 من طراز النجوم الخمسة وعدد غير قليل من بنايات الشقق السكنية «المفروشة» الفاخرة. ازقة المدينة مثل شوارعها الرئيسية في منتهى النظافة. مثل كل عواصم «النمور الاسيوية» تجنح كوالالمبور الى نسق المدن الكوزومبوليتانية غير انها تقبض على تراثها الماليزي كالقابض على الجمر. مثيرة بالفعل طاقة هذه المدينة على الاستيعاب والهضم واعادة الانتاج. تلك طاقة يستبينها خبراء الاكل حتماً. المطبخ الماليزي يعيد طهي المأكولات التقليدية المعروفة في جنوب شرقي اسيا بمواصفات ذاتية التبهير والعجين والتقديم. ذلك مطبخ بالغ الثراء مثلما هو مسرف الاشتهاء. الطبيعة السخية افرطت في تشكيلة الخضر والفاكهة. يالروعة حشاش الارض في ماليزيا. كما لندن على موعد يومي مع شاي الساعة الخامسة لدى كوالالمبور لقاء مسائي مع المطر عند المغيب. كأنما تحرص السماء على غسل رئتي المدينة في هذا الموعد او ربما تحرص على انعاشها. اذ بعد يوم من الجهد الدؤوب الذي لا تخطئه العين تتأهب كوالالمبور لحياة ليلية صاخبة. من يتوغل في زمن العاصمة الماليزية يدرك حتماً انها تجمع بين «طهر الأنبياء» دونما تزمت و«كفر الكافرين» في غير ما فجور او ابتذال، وهي في الحالتين تحافظ على وداعتها ولها في كل منهما طقوسها الذاتية. من يتأمل سيرة المدينة وتركيبتها لن يصاب بالذهول لهذا التناغم الذي لا يمنح اي انطباع بالفصام. كوالالمبور مدينة خلاسية هجين في روحها وطبعها اذ هي مختصر مفيد للوطن بكامله. ماليزيا ذات اعراق متعددة تم تذويبها وصهرها في جنس واحد وثقافة موحدة. ذلك جذر بالغ الحيوية في تفهم كوالالمبور. لا يقل أهمية عنه استيعاب الجدية التي تأخذ بها المدينة الامور. الترف الذي تنعم به المدينة لم يفقدها شهوة الاقبال على الحياة ومواكبة ايقاع التقدم. القدرة على التوثب كنمر اسيوي تتمكن من كوالالمبور حتى النخاع. ربما يفيد عواصمنا العربية ان تأخذ عن كوالالمبور التزامها بسقف سكاني محدد اذ لا يتجاوز عدد سكانها مليونا ونصف المليون نسمة. بهذا التقيد نجت العاصمة الماليزية من الترهل بالاحياء الهامشية القذرة وتدمير شبكة الخدمات بثقل لاعبء لها به وقصور شبكات اخرى. مقابل البقاء داخل هذا السقف تلتزم كوالالمبور بنقل الخدمات والصناعات الى السكان في مواقعهم فتتفادى زحف الريف الى العاصمة وترييف المدن