الاحد 29 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 مارس 2003 تخرج علينا بين الفينة والأخرى صرعة جديدة أو موضة تمس جانباً من حياتنا، نتقبّلها أحياناً وننفر منها أحياناً أخرى. لكن ما يثير اهتمامي على وجه خاص هو انه مثلما هناك موضات جديدة في الماكياج والأزياء والشعر والاكسسوارات، هناك ايضاً موضة في المفردات. إذ نرى ونسمع يوماً بعد يوم عن كلمات واشتقاقات جديدة في اللغة تتبناها وسائل الإعلام وتفرضها علينا بالقوة لتحل محل كلمات ومفردات كانت متداولة في السابق، ما يدعونا للتساؤل أحياناً عما إذا كان استخدام الكلمات القديمة يجعل الشخص «دقة قديمة» كما يقال. فمن الكلمات الجديدة التي ظهرت مؤخراً والتي لم أستسغها شخصياً كلمة «الحؤول» والتي جاءت محل كلمة «الحيلولة» التي توظف في السابق كالقول مثلاً: اتخاذ اجراءات للحؤول دون وقوع الحرب. ولا أدري لماذا أصبحت كلمة «الحيلولة» فجأة غير دارجة رغم ان نطقها أرحم على البلعوم من «الحؤول» التي تقف في الحلق وتتطلب بذل جهد لتخرج بينما تنساب حروف الأولى بسلاسة ويسر أكثر. كلمة أخرى دخلت مؤخراً لغة أهل الإعلام ولم أهضمها إطلاقاً هي «الحلحلة» كالقول: «المشكلة في طريقها إلى الحلحلة» وهو ما أجد فيه شيئاً من التفلسف الزائد وكأن مخترعها استصغر كلمة حل أو لم يقتنع بحرفيها اليتيمين فأوجد بديلاً آخر بحروف أكثر عدداً لتملأ العينين وترضي الأذنين. كذلك من الكلمات الأخرى صعبة البلع التي انتشرت مؤخراً كلمة «المستدامة» كالقول: «التنمية المستدامة» بدلاً من الدائمة. وما يحيرني يا اخوان هو أن الكلمة السابقة كانت تفي بالغرض، فلماذا التحول عنها الآن؟ ومن ذا الذي يقوم بترويج كلمات والاستغناء عن أخريات؟ أما المفردة التي أدهشني سماعها ووقفت طويلاً عندها وبحثت عنها في المعجم ولم أجدها فهي «مؤللة» والتي استنتجت فيما بعد أنها مشتقة من كلمة «آلة» أو «آليات» وذلك عندما سمعت مذيع نشرة الأخبار في احدى محطات الـ «اف.ام» الجديدة يقول: «إن الفلسطينيين يواجهون بصدورهم العارية جيوشاً مؤللة» وهو الاشتقاق الأول من نوعه الذي يتناهى إلى سمعي. ويبدو واللّه أعلم ان كل محطة إذاعة تتفنن في ابتداع مفردات خاصة بها بغية التميز أو سعياً وراء الاختلاف لأن المحطة التي سمعت فيها كلمة «مؤللة» هي ذاتها التي استبدلت كلمة «فاصلة» في لغة الأرقام التي اعتدنا عليها سابقاً بكلمة «فارز». والسؤال الذي يلح على بالي: ما هو موقف المجمع اللغوي من موضة الكلمات الجديدة؟ وهل هناك اجتماعات تجاز فيها كلمات وتحال أخرى للتقاعد مثلاً؟ ولماذا لا يتم تأسيس فرع للمجمع اللغوي في كل بلد أو توزيع نشرات بما يستجد من مفردات للتحقق من أن المجمع قد استشير أو وضع في الصورة على الأقل. وإذا كان كل من هب ودب يملك الحق في أن يخترع كلمة أو يؤلف اشتقاقاً على هواه، فما يمنع العبدة لله في أن تدلي هي أيضاً بدلوها في هذا الجانب؟ وعليه فإنني أطالب باشتقاق مصدر من صفة «طازج» كأن يكون «طزاجة» أو «طزجان»، فغالباً ما يواجه المترجمون صعوبة في إيجاد مرادف لها ما يضطرهم للتحايل لايصال المعنى، وهو ما لاحظته في الإعلانات التجارية. فكما توجد كلمة «Freshness» باللغة الإنجليزية و«Fraicheur» بالفرنسية لماذا لا يستطيع أي محل سوبر ماركت مثلاً أن يعلن عن خضرواته بالقول: «لا أحد يضاهي مستوى طزاجة منتجاتنا» أو مثلاً «لن تجد أكثر منها طزجاناً» وهي الإشكالية «المستدامة» التي واجهتني في عملي أكثر من ست وتسعين «فارز» تسع مرات والتي أتمنى أن تجد طريقها إلى «الحلحلة» وذلك بهدف «الحؤول» دون وقوعنا معشر المترجمين في الخطأ أو اضطرارنا للاستعانة بقواميس «مؤللة».