السبت 28 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 اثناء المداولات التي شهدتها الأزمة الدولية حول الصيغة النهائية لقرار مجلس الأمن رقم 1441، توقعنا أن المشادة الكبرى التي جرت بهذا الخصوص ماهي الا تعبير عن توجهات شديدة التباين ازاء طبيعة النظام الدولي لفترة ممتدة. ومما طرحناه بهذه الشأن أن التعارض المستعر بين مؤيدي واشنطن ومعارضيها داخل المجلس وخارجه لا يتصل فقط بنمط معالجة الأزمة العراقية، وانما يتعلق أساسا بدلالات هذه المعالجة وتداعياتها واسقاطاتها على مسار العلاقات الدولية بأثر حالي ومستقبلي. كان هذا الرأي أميل الى المدرسة التي تنفي عن بعض القوى المعارضة للسياسة الاميركية العراقية، كفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، صفة تأييد الموقف العراقي بشكل محدد. لأن تعليل هذه المعارضة يكمن من منظور هذه القوى في انعكاسات الأزمة وأسلوب إدارتها على مكونات صناعة القرار الدولي. وهذا يعني أن عيون ووجدانات العواصم الفاعلة دوليا كانت معلقة على مكانتها ومصالحها في الإطار العالمي بأكثر مما هي منشغلة بموقف معين من بغداد ونظامها. لقد كانت هذه العواصم تفاوض على هذه المكانة والمصالح، والمؤكد أن واشنطن كانت بدورها على إدراك بهذا المكنون. ومؤدى ذلك أن الأزمة العراقية كانت ـ وفقا لهذه المدرسة ـ مجرد مختبر أو تجربة حية لتدافع القوى الدولية، قبل الاستقرار على الشكل والمصفوفة النهائية للنظام الدولي حتى اشعار اخر. والشاهد ان مواقف الاعضاء الدائمين وغير الدائمين بمجلس الأمن في جلسته الشهيرة يوم 14/2 غذت هذا التحليل ببعض الصدقية والجدارة المنطقية. اذ تأكد في ضوء مداخلات هؤلاء الأعضاء أن المفاوضات العلنية والخفية تستلتهم من إدارة الأزمة العراقية المثل والسابقة أو النموذج لحيثيات النظام الدولي المطلوب. الولايات المتحدة ومحازبوها يريدونه نظاما جديدا تقريبا، يقوم على مبادئ وتقاليد تهيل التراب على الشوط الكبير الذي قطعته البشرية بعناء نحو عالم القانون والنظام والحق قبل القوة وسيادة الدولة القومية وعدم التدخل في شئونها الداخلية.. فيما هناك معسكر آخر مازال أمينا على كثير من مثل العلاقات الدولية كما أقرها ميثاق الأمم المتحدة وبقية منتجات القانون الدولي والأطر الحقوقية. مخاوف مستقبلية على أن القناعة بصدقية هذا التحليل وجدارته بالكامل جاءت بعد انفضاض تلك الجلسة بثلاثة أيام فقط، ففي 17/2 أصدرت قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل بيانا لابد من التوقف عند محتوياته بكل دقة. البيان ذكر بالحرف ان الطريقة التي تتسم بها إدارة الوضع في العراق سيكون لها تأثير مهم على العالم في العقود المقبلة. ونحن مصممون على ان نعالج بفعالية التهديد الذي يشكله انتشار أسلحة الدمار الشامل.. لقد وضع البيان النقاط على الحروف حول الأبعاد العميقة المستقبلية لمعالجة الأزمة العراقية. وفي فقرة تالية أوضح البيان بعض السمات المطلوبة في عالم الغد، حين قال نصر على أن تبقى الأمم المتحدة محور النظام العالمي. ونرى أن مجلس الأمن مخول في المقام الأول معالجة أسلحة العراق. ونعلن دعمنا من دون تحفظ للمجلس في ممارسة مسئولياته. تجدر الاشارة الى ان البيان عبر عن وحدة ظاهرية بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، لكنه لم يلغ الانقسام بين انصار التوجه الاميركي ومعارضيه داخل الحوزة الأوروبية. ومع ان الفقرتين المذكورتين تنطويان على غلبة لمعسكر المعارضين بزعامة فرنسا وألمانيا وبلجيكا، الا انه لا يمكن الاطمئنان الى ان عملية عض الأصابع، أو ما يصفه البعض بالحرب الباردة، داخل تلك الحوزة قد حسمت لصالح هذا المعسكر. وليس لأحد أن يتوقع حسما كهذا في وقت قريب. فالولايات المتحدة قوة لا يستهان بها أوروبيا، وهي بنظر أكثر الأوروبيين مناوئة لتوجهاتها الدولية تمثل الظهير الذي لا غنى عنه لصيانة الريادة الحضارية الغربية في عالمي اليوم والغد، وسبق للرئيس الفرنسي جاك شيراك نفسه أن قال أشعر بالأسى حين يشار الى انني معاد لواشنطن. ولذا فإن الرهان على وصول التشاد الأوروبي الاميركي الى طور القطيعة والعداء لا يبدو موفقا أو صائبا. غاية ما في الامر ان بعض القوى التي تقع في قلب النظام الأوروبي ترغب في ترشيد السلوك الاميركي، ولا تستحسن انسياق الادارة الاميركية الراهنة وراء عنجهية القوة وغرورها. الطيور.. وأشكالها! وتشي مفردات خطاب فرنسا وألمانيا بالذات بأن على واشنطن ان تلتفت اكثر الى ان تحول الاطار الدولي لصالحها، لم يكن له أن يتم بدون الدور الأوروبي في هزيمة المعسكر الاشتراكي. وانه قد آن الآوان لأن تتخلى واشنطن عن فكرة استتباع الأوروبيين لقيادتها بدون معقب، لأنها من مخلفات زمن الحرب الباردة مع ذلك المعسكر. وان بديل تلك الفكرة المتقادمة، هو التعامل من منطلق الشراكة المتوازنة بين أطراف يجمعهم اطار حضاري واحد. كما ترى جماعة أوروبا القديمة ان القدم يشكل ميزة لهم لا عبئا عليهم يثير الاستهزاء بحسب الفهم الاميركي، لأنه يمنحهم فضيلة تراكم الخبرة حول عوالم الاخرين.. مقارنة بأميركا الأحدث عهدا والأكثر طيشا وسطحية في تعاملها مع هذه العوالم، وفي طليعتها الدائرة العربية الإسلامية. ومن آيات هذا الفهم وصف شيراك لتصرف من تطلق عليهم واشنطن دول أوروبا الجديدة بالصبيانية والخطر، وبأن هذه الدول تسرعت باصدارها بيانات موالية لسياسات اميركا بشأن العراق.. فالصبيانية والتسرع المؤديان الى الخطر من صفات المحدثين قليلي الدربة والدراية. وكأن الرئيس الفرنسي يريد القول إن الطيور على أشكالها تقع! ليست هذه المرة الأولى التي تختلف فيها واشنطن مع بعض الشركاء الأوروبيين، وبالذات حول قضايا شرق أوسطية، لكنها قد تكون المرة الأخطر بسبب أصدائها المستقبلية على العلاقات الاميركية ـ الأوروبية، والعلاقات الأوروبية ـ الأوروبية، وتراتب المكانة والأدوار في النظام الدولي. وتقديرنا ان للعرب في هذه الجولة ناقة وجملاً. وهو مايفترض ان يقودهم الى المداخلة على خطها بعد استبصار نتائجها على دورهم ومستقبلهم. ـ كاتب وأكاديمي فلسطيني ـ القاهرة