السبت 28 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 1 مارس 2003 لست من هواة التسوق.. ولا أجد متعة في الفرجة على الفاترينات أكثر من نصف ساعة تختلط بعدها الاشياء أمامي فأبحث عن أقرب مقهى أسترخي عليه وأروح مع حبات البن ورائحته أتفرج على الناس وهي تبث عواطفها وتفتح خزائن مشاعرها لثوب من قماش.. أو حذاء من جلد.. أو حقيبة من البلاستيك.. أو تليفون محمول يرن بنغمة من لحن أهواك. ويزداد جنون الناس بالشراء في مدن الخليج المختلفة.. وتضج مراكز التسوق ببضائع وبشر من أربعة أركان الدنيا.. ويندر أن ينجو أحد من عدوى الاصابة بهذا الفيروس.. فيروس الشراء.. فهو في الخليج بالذات يحتاج الى مناعة قوية.. وهو ماجعلني أتساءل وأنا في زيارة خاطفة الى هناك عن ما كان يفعله الناس زمان.. قبل أن يتعرفوا على سادة الاستهلاك في العالم من فرساتشي وسمالتو وكاردان وجيفنشي الى كنتاكي فرايد تشيكن؟ خالد البسام كاتب بحريني يهوى التنقيب في الأوراق القديمة بحثا عن الملامح الصغيرة للخليج قبل أن يتفجر النفط.. أيام القنص والغوص.. أيام كان الخليج يأخذ رجاله الى البحر شهورا بحثا عن دموع حوريات البحر في أصداف اللؤلؤ.. فلا يجدوا أحيانا سوى دموع السماء.. المطر.. وقد جمع خالد البسام ماعثر في كتاب سهل ممتع يحرض كرات الدم في عروقك على مقاومة فيروس الشراء.. أو على الأقل يهذبه ويروضه ويهدئ من روعه. الكتاب عنوانه يازمن الخليج.. قدمه مؤلفه في سطور قليلة قائلا: انها ذكريات من ورد وعرق عن أيام ذهبت وانتهت.. تركت لنا رحلات وحكايات.. وهي أكثر براءة من أن نعقدها بالتحليلات والنظريات.. وعنده حق. بعد ربع قرن على بداية السينما في العالم راح جمهور صغير قرب ساحل مدينة المنامة في البحرين يتفرج على فيلم سينمائي في كوخ صغير مبني من سعف النخيل.. كان ذلك في منتصف عام ,1921. ولم يخطر في بال الذين حضروا العرض أنهم يشهدون بداية دخول السينما في الخليج والجزيرة العربية.. وقد قام بهذه المغامرة الكبيرة غير المحسوبة شاب مصري مجهول يعمل بالتجارة اسمه محمود الساعاتي.. وبرغم بساطة التجربة وتواضعها فإنها فجرت صراعا اجتماعيا بين شباب انبهر بما شاهد والشيوخ والأعيان الذين وصفوا ماجرى بالكفر والرذيلة والفساد.. وأصبح على الحاكم الشيخ عيسى بن علي آل خليفة أن يأخذ قرارا.. وعلى الفور كتب رسالة الى المعتمد البريطاني في البحرين الميجور كلايف ديلي يطلب منه توجيه الأمر الى صاحب الصور المتحركة بأن لا يستعملها.. ولا غيرها من ألعاب.. وعلى الفور أمر كلايف ديلي باغلاق كوخ السينما وطبق عليه مايطبق على أماكن البغاء. ورغم اغلاق كوخ السينما ظلت السينما بهجة تنتظر البوح بسرها.. ولم يطل الانتظار.. ففي منتصف عام 1934 سرت شائعات عن بناء دار سينما في البحرين.. وكانت الشائعة كفيلة بأن تؤرق السلطة البريطانية فارضة الوصاية على الخليج.. وكان رأيها: إن المسألة خطيرة.. يجب أن تدرس بعناية.. والرقابة الصارمة ضرورة لا مفر منها في حالة الموافقة.. وبعد عام من تلك الشائعة القلقة منحت الحكومة شركة نفط البحرين ترخيصا بانشاء سينما تعرض أفلاماً يشترط أن يكون روادها من الأجانب فقط. وفي صيف عام 1937 بدأ البحرينيون في مشاهدة السينما دون خوف أو معارضة.. في ذلك الصيف افتتحت أول دار عرض محلية في المنامة.. يملكها مجموعة من شيوخ الأسرة الحاكمة والتجار.. وكان فيلم الافتتاح هو فيلم وداد الذي قامت ببطولته أم كلثوم.. وفيما بعد عرضت أفلام مصرية أخرى بخلاف الأفلام الأخبارية عن الحرب العالمية الثانية وهي عبارة عن أفلام دعائية لقوات الحلفاء.. واستغل أحد مالكي السينما وهو الصحفي عبدالله الرائد صدور جريدته البحرين التي كان يرأس تحريرها وراح ينشر اعلانات عن الأفلام التي تعرضها السينما.. ففي 8 يونيو 1939 تنشر الجريدة اعلانا صغيرا يقول: مرسح «مسرح» البحرين «دار السينما» يقدم فيلم «بلبل» المدهش.. وفي الشهر نفسه تنشر اعلانا أخر يقول: «مرسح البحرين يقدم» بنت طرازان الذي يربك المدهشات مما لا تصدق في طاقة البشر عمله. وهكذا أصبحت السينما أشهر معالم البحرين ورمز تقدمها وسر شهرتها.. وهو ماجعل الملك عبدالعزيز آل سعود يحرص على مشاهدتها وهو يزور البحرين.. واقتصر العرض عليه وعلى ابنائه وحاشيته الملكية.. أما الفيلم الذي شهده فكان الفيلم المصري الهارب الذي انتج في عام 1936 ولعب بطولته بدر لاما وفاطمة رشدي وعبدالسلام النابلسي وكتبه واخرجه ابراهيم لاما.. لكن.. ذلك كله لم يمنع الشيوخ والانجليز من البحث عن طريقة التخلص من السينما.. فيذكر المعتمد البريطاني تشارلز بلجريف في مذكراته: إن دخول السينما في البحرين أدى الى تدهور أخلاق الناس وعاداتهم.. فبعد عرض أحد الأفلام الذي تضمن قذف سائل حمضي حارق «على واحد من أبطال الفيلم» وقعت حادثتان مشابهتان بالبلاد.. كما انتشرت ظاهرة انتحار الفتيات والنساء هذه الأيام بسكب الكيروسين «الجاز» على ملابسهن واشعال النار فيها.. وأنا أعزو هذه الظاهرة الى مشاهد الانتحار المتكررة في أفلام السينما. وكالعادة كان دخول النساء للسينما مشكلة المشاكل.. فكل الهواجس الشرقية بين الرجل والمرأة تتفجر بمجرد اطفاء الأنوار.. كما أن مايجري على الشاشة من قصص غرامية لا يرضى عنه مجتمع محافظ يرى ان المرأة مثل القطة المغمضة لا يجوز فتح عينيها.. فكان أن قررت بلدية المنامة تحريم الاختلاط في السينما ومنع المرأة السافرة أصلا من الدخول.. وخصصت ليلة من كل أسبوع للنساء فقط.. ورغم ذلك لم تتوقف الحملات على السينما وعلى النساء.. وكتبت مجلة صوت البحرين عن تقليد النساء لنجمات السينما في المكياج والملابس الضيقة وتعلم المكر والخداع والتمرد على التقاليد وسيطرة الزوج أو الأب.. لكن في بداية الستينيات ودون قرار عاد الاختلاط بين الجنسين في السينما.. دون ان تتوقف تلك الحملات.. بل ربما زادت وتضاعفت. على ان المشكلة التي ظلت بلا حل هي مشكلة الجمهور الذي كان يقوم بتكسير مقاعد السينما لو لم يعجبه الفيلم.. وهي مشكلة عالجتها مصر في دور عرض الدرجة الثالثة بأن جعلت المقاعد من الحديد المثبت في الأرضية.. أما البحرين فقد تعاقدت مع نجار مقيم في دار السينما ليصلح ماكسره الجمهور بعد كل فيلم بايخ. كانت الافلام المصرية هي الأكثر شعبية لانها ناطقة بالعربية ولكنها لم تكن هي التي بدأت التأثير الحضاري المصري في دول الخليج.. سبقتها الصحافة المصرية الى ذلك.. ان نشر رسالة لقارئ خليجي في صحيفة مصرية كان حدثا يستحق التسجيل.. لقد طغى الفرح العارم على وجه المثقف البحريني حسين بن علي مشرف حين رأى في نهاية عام 1899 جريدة المقتطف المصرية تنشر رسالته التي أرسلها لها وتجيب عن اسئلته.. ومنها سؤال عن التثاؤب والعدوى وعجز الإنسان عن النطق لو ولد وعاش دون أن يكلمه أحد.. وشعر البحرينيون بالغيرة من الفخر الذي فيه حسين مشرف فراحوا يقلدونه.. فكتب مقبل عبدالرحمن الذكير الى مجلة المنار الاسلامية يسأل عن شرعية رؤية هلال شهر رمضان.. وكتب سليمان ملكي عبدالله الى مجلة الهلال يسأل عن أحد أقرباء الفيلسوف العربي يعقوب الكندي.. وكتب ناصر الخيري الى مجلة المنار يسأل عن بعض شعائر الحج. لكن.. في نهاية عام 1919 تغيرت نوعية الكتابات الخليجية الى الصحف والمجلات المصرية لم تعد اسئلة يريد أصحابها رؤية اسمائهم منشورة تحتها بل اصبحت أخبارا عما يجري في بلادهم.. فكتب محمد صالح خنجي الى مجلة الهلال يصف افتتاح أول مدرسة نظامية في البحرين في تلك السنة.. على ان المجلة لسبب غير معروف لم تنشر ماكتب.. لكن مجلة اللطائف المصورة نشرت في 17 مارس عام 1934 خبرا عن زيارة الوجيه البحريني يوسف خنجي الى مصر وهو في طريقه الى أوروبا.. وذكرت الصحيفة أنه زار مكاتبها وقد آنسنا بالتعرف بحضرته فوجدناه اديبا كريم الخلق واسع الاطلاع. لم تكن البحرين وحدها التي تبحث عن رئة ثقافية تتنفس بها خارج رطوبة الخليج الخانقة وحرارته اللافحة.. كانت هناك أيضا عمان التي كانت في عام 1875 تسيطر على زنجبار وتعتبرها من أملاكها.. في ذلك العام قرر سلطانها برغش بن سعيد بن سلطان السفر الى أوروبا.. الغنية بكنوز المعارف والصنائع وأسباب الحضارة والعمران ليرى فيها مايستحق نقله الى بلاده.. فأرسل السلطان رسالة الى ملكة بريطانيا فيكتوريا يخبرها بهذه الرغبة.. فكان الجواب أن هشت وبشت جلالة الملكة الى رؤياه وأرسلت برسالة ودية فلباها السلطان برغش بحسن القبول واتمام المأمول. في صباح يوم السبت 7 مايو 1875 بدأت رحلة أول أمير عربي الى بريطانيا.. وركب السلطان الباخرة ليبدأ رحلته في صحبته قنصل بريطاني جون كيرك.. وفي فجر اليوم التالي وصلت الباخرة الى عدن وبقيت فيه يوما.. وبعد أربعة أيام وصلت الى السويس.. ثم مرت على أسبانيا.. وأخيرا أطلت عليهم لندن.. ورست سفينته ليصعد عليها رجال الملكة مرحبين به.. على العين والرأس كماقالوا له.. ورافقه للترجمة ثلاثة من موظفي الخارجية البريطانية يجيدون اللغة العربية هم القس جرجس باجر الفقيه والسير كليمنت هيل والدكتور ريتشارد كيرث.. وعندما انتهت كلمة الترحيب قال السلطان: بارك الله في جلالة الملكة وأدام عزها بالمجد والاقبال. نزل السلطان في قصر يطلق عليه قصر البلور.. وشاهد اسطبلات الخيل الملكية.. ومحطة السكك الحديدية.. ومبنى التلغراف والبوستة العمومية.. وحديقة الحيوان.. ودار الأسماك.. وجلس على العشاء مع أعضاء البرلمان.. وألقى أحد رجال الدين خطابا عبر فيه عن سعادته على توقيع السلطان على معاهدة 1873 لتحريم التجارة في العبيد وتحرير الرق.. لكنه تمنى ان تستأصل تلك التجارة فعليا وان لا يكون منعها مجرد حبر على ورق.. وانهى الرجل كلمته قائلا: فلا يخامرنا ريب أن هذا لا يسر سعادتك ولا تطيب نفسك الكريمة بهذه الأرباح الذميمة. كان لقاء الملكة أهم مافي الرحلة.. وجرى اللقاء في قصر العامر على شط نهر التايمز والذي يشغل مساحة من الأرض لا تقل عن 13 فدانا.. وفي قاعة الاستقبال كانت الملكة في استقباله وابنتها الكبرى الأميرة لويزا وابنتها الصغرى الأميرة بياتريس.. وفيما بعد عبر السلطان عن ذلك قائلا: لقد رأيت الآن ماكنت اشتهيه من نعومة اظفاري.. وفي الليلة نفسها اقامت الملكة حفلا ساهراً اسماه مؤرخوا الرحلة مأدبة غناء ملوكية اكراما للسلطان في قصرها.. كان عدد المطربين والعازفين أكثر من 160 فنانا وقد قدموا 16 مقطوعة متنوعة.. باللغات الانجليزية والايطالية والالمانية واللاتينية.. كتبت واحدة منها خصيصا للحفل.. بعنوان سعدا لك يابلاد العرب المحبوبة.. غنتها بالإيطالية أدلينا بيتني.. وبعد نحو الشهر عاد السلطان الى بلاده ليسجل في كتاب صدر فيما بعد عن وزارة التراث القومي والثقافي في سلطنة عمان عنوانه: تنزيه الابصار والافكار في رحلة سلطان زنجبار. والذي يتابع جنون الغرب بالسيطرة على الخليج ومنع غيره من الاقتراب منه لا يصدق أن سفينة روسية اسمها جلياك زارت الكويت في يوم السبت 4 مارس ,1899. وكانت أول سفينة غير غربية تشم مياه الخليج.. وقد حاول الانجليز التقليل من شأنها فأشاعوا انها سفينة خشبية عتيقة غير آهلة للملاحة في الخليج وانها سوف تغرق قبل اتمام رحلتها.. لكن السفينة على عكس ذلك كله أحدثت انطباعا شديدا في نفوس السكان المحليين بسبب المصابيح الكهربائية الكاشفة للسفينة التي لم يكن لها مثيل في السفن البريطانية. ويروي المقدم البحري أندرينيوس ماجرى قائلا: في الساعة الثامنة في اليوم الثاني لوصولنا أرسل حاكم الكويت نجله الأكبر يدعونا على غداء عربي عند الظهر.. استقبل الشيخ مبارك الصباح طاقم السفينة بحفاوة بالغة وأعرب عن اسفه لأننا سنتوقف مدة قصيرة اذ انه هيأ لنا نزهة صيد بالصقور والكلاب وكان يود اطلاعنا على مقر اقامته في الصحراء الواقع على مسافة يوم سفر على الخيل من الكويت.. وفي المساء نفسه رفعنا المرساة وغادرنا ميناء الكويت في طريقنا الى ميناء بندر عباس. بعد نحو عامين دخلت أول سفينة روسية حربية الخليج.. كان ذلك في ليلة 27 نوفمبر عام 1900 حين القى بحارة الطراد فارياج المرساة على عمق 14 مترا.. في مسقط.. وتبادل الطراد وبطاريات الساحل التحية باطلاق 21 طلقة.. ويروي قائد الطراد وهو برتبة عقيد بحري وقائع ماجرى قائلا: بعد التحية وصل الوزير الأول لتقديم الشكر باسم السلطان.. ودعانا الى زيارته في قصره.. وابدى نائب قنصل فرنسا مسيو لاروسن عن استعداده للقيام بدور المترجم.. وامام الدرج الخارجي للقصر استقبلنا السلطان فيصل بن تركي بنفسه مع شقيقه وولي عهده.. وقدموا لنا القهوة والشراب الحلو. في الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي قام السلطان بزيارة الطراد.. وبعد تقديم القهوة والفواكه راح السلطان ومرافقوه يتفرجون على الطراد وهم مبهورون.. وطلبوا أن نكرر الزيارة وان نعزف السلام الوطني الروسي.. وكان السلطان طوال عزف السلام الوطني الروسي يضع يدا على راسه ويدا على الجهة اليسرى لصدره دليلا على التأثر والاحترام.. وفي اليوم التالي وقبل ان يغادر الطراد مسقط بلحظات أرسل السلطان هدايا لطاقمه عبارة عن 4 بقرات متوسطة الوزن.. ونحو 20 صندوقا من الخضار: بصل وقرع وليمون ورمان وباذنجان. ولا تتوقف حكايات الكتاب عن الذكريات القديمة في الخليج.. وقد تعمدت ان ابتعد عن التحليل والتعليق حتى لا أفسد براءة الكتاب عملا بنصيحة مؤلفه.. ولك الخيار أن تفعل أنت ذلك بنفسك. كاتب مصري