الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 في فترة زمنية لا تتعدى الشهر، نشرت ثلاث مطبوعات مختلفة تحقيقات عن (ظواهر) وطنية جديدة بدأت تبرز على الساحة. تحقيق ملون نشرته مجلة «الاسرة العصرية» عن مجموعة من الشباب المواطنين أسسوا مشروعاً جديداً وهم مازالوا طلاباً في الجامعة عبارة عن مطعم. ما يميز هذا المطعم المشروع ان كل من يعمل فيه من اللحام الى الطباخ الى السفرجي هم من المواطنين اصحاب المشروع. هؤلاء وجدوا التشجيع في البداية من اولياء امورهم. وبعض هؤلاء الاولياء تجار رغبوا ان يعلموا ابناءهم اهمية العصامية في الحياة وقيمة العمل، مهما كان متواضعاً منفعة للانسان وخدمة للوطن. وما شجعهم على ان يكبر مشروعهم الذي انطلق في القرية العالمية ليكبر ويستمر هو الاقبال عليهم وتلمسهم لنوعية الأكل المطلوب وشروط النجاح في عملهم. قصة خبرية أخرى نشرتها «البيان» على صفحتها الأولى مع صورة ملونة لمواطنة تجلس خلف آلة عد النقود في محل تجاري. وعنوان القصة: مواطنات في وظيفة «كاشير»، وتناول الموضوع ظاهرة عمل المرأة في هذه المهنة الجديدة، التي لم تجد في السابق من يقبل عليها من المواطنين. فأصبحت اليوم تجد مجموعة من المواطنات خريجات الثانوية او الجامعة ينتشرن في مجمعات واسواق مختلفة يعملن «كاشيرات». وقبل يومين نشرت «الاتحاد» لقاء على اكثر من نصف صفحة مع تاجر مقاولات، كان الحديث معه عن مشروعه الجديد والغريب وهو تأسيس شركة بناء كل العاملين فيها من المواطنين. الفكرة التي طرحها هذا التاجر الذي اكمل اكثر من ثلاثين عاماً في هذه الصنعة وجدت اقبالاً وترحيباً كبيراً من المواطنين، كثير من المواطنات تقدمن للعمل في هذه الشركة الوليدة، مهندسون ومهندسات، موظفون وشابات يبحثون عن مكان لهم في هذا المشروع. هذا التاجر يعلم انه بمشروعه هذا يغامر، لكنه وهو التاجر المتمرس يعلم ان مغامرته ستكسب. اهم هذه المكاسب ما لو فشل مشروعه ـ لا سمح الله ـ هو انه سيقدم للوطن تجربة وكفاءات وطنية في مجالات مختلفة، اشتغل عليها تدريباً وصقلاً واكسبها خبراته وتجاربه. وأولى الخطوات التي سيبدأ بها شركته هي تدريب المتقدمين. ويركز التاجر في حديثه الصحافي على نقطة مهمة وجوهرية يؤمن بها وهي انه لا يميز ولا يحبذ التفريق بين مواطن وغير مواطن، فكل من عمل على هذه الارض، كل من ساهم في بنائها وتطورها هو ابن لها، وهي تنتمي له بذلك. لكن واقع الحال في وجود هذا الخلل الكبير في التركيبة السكانية وفي وجود اعداد متزايدة من المواطنين والمواطنات الذين لا يجدون عملاً في بلدهم هي ازمة خطيرة وهي قضية مستقبل وقضية وجود، ويفترض ان تعني وتشغل الجميع، الحكومة والقطاع الخاص، وكل المجتمع. هذه التجارب وهذه الحالات التي ابرزتها الصحافة خلال الفترة الماضية، تستحق الوقوف عندها، فأولاً: عن الاعلام هذا هو الدور المهم والمطلوب ان يقوم به في هذا الزمن تحديداً، ان يبحث عن مثل هذه الحالات ويشجعها بالنشر والكتابة، لتتحول من مجرد ظواهر الى حالات طبيعية موجودة ومنتشرة مثل كل المجتمعات الاخرى. الاعلام يملك ان يفكك عقدة العمل المتواضع وازدراءه، ويزيل عقدة الخجل والخوف، ويصنع اكثر من ذلك التنافس والتحدي. وتعريف المجتمع بمثل هؤلاء وخلق الاحترام والتقدير لهم عند الاخرين. وهؤلاء الشباب والشابات هم نموذج جيل جديد يولد اليوم، استطاع التغلب على (مرض) زمن الرفاهية الذي عانى منه تحديداً جيل الثمانينيات والتسعينيات. فكثرة الوظائف في تلك السنوات، وازدهار الدولة وانعكاس ذلك على حياة المواطن، اثر على تركيبة ونظرة الانسان حوله. روح الجيل الجديد لها دور في هذا التحول وطبعاً طبيعة الحياة وتحولات المجتمع، لكن الدور الاكبر في تغيير النظرة يكون من الاسرة وعلى مقاعد المدرسة والجامعة. فالكليات والجامعات الجديدة لا شك انها لعبت دوراً في تنمية هذا الانسان وتغيير نمط تفكيره ونظرته للعمل ولمجتمعه وطوّرت قدراته ومهاراته. لكن البيت له دور لا يقل اهمية، والمجتمع ايضاً مطالب بدعم وتشجيع هذا الفكر والتحول عند هذا الجيل الجديد. خلق الوظائف اصبح اليوم عملية صعبة، واعداد الخريجين تتزايد وتتضاعف كل عام، والقطاع الخاص وما فيه من تجارة وصناعة وثروات غريب ووافد والتركيبة السكانية مخلخلة من كل جوانبها وفيها ما فيها من مخاطر وويلات. وطريق المستقبل فيه مطبات وعثرات من واقع التركيبة هذا. والامل في هذا الجيل الجديد نبحث عنده عن فرج، نحلم فيه ان يغير الحال. فلنساعده باخلاص، وبقلوب خائفة على وطنها وعلى مستقبله.