الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 مضمون البيان الختامي الصادر عن اجتماع القمة لحركة عدم الانحياز في العاصمة الماليزية كوالالمبور لا يختلف كثيرا عن البيان الذي صدر قبله عن اجتماع قمة الاتحاد الأوروبي: اعتماد الأسلوب السلمي لمعالجة نزع أسلحة العراق واعتبار الحرب ملجأ أخيراً. ومع ذلك فانه لاتوجد علاقة عمل سياسي منهجي بين هذين التجمعين الأقليميين إطلاقا. والخاسر الأكبر من غياب هذه العلاقة هو العالم الثالث كما تمثله حركة عدم الانحياز. خرجت حركة عدم الانحياز الى حيز الوجود قبل نحو 42 عاما بمبادرة من ثلاثة زعماء: جمال عبدالناصر في مصر وجوزيف بروزتيتو في يوغسلافيا وجواهر لال نهرو في الهند. ولأن الحركة ولدت إبان عهد الحرب الباردة بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي فانه كان متاحا ككتلة ثالثة ان تستثمر التناقض الاساسي بين هذين المعسكرين الدوليين من أجل المصالح العليا المشتركة لشعوب العالم الثالث. ندرك اذن لماذا تراجع دور الحركة الى درجة شبه الموات في اعقاب نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي. فقد تحول العالم الى ما أطلق عليه «النظام العالمي الجديد».. أي نظام القطب الأوحد المتمثل في الولايات المتحدة وانفراده بالسيطرة على أثر انهيار الاتحاد السوفييتي وزوال المعسكر الاشتراكي. وطوال عقد التسعينيات طغت على العالم الثالث قناعة عامة يائسة بأنه لم يعد لحركة عدم الانحياز وجود ـ أو حتى مجرد مبرر وجود ـ في ساحة العلاقات الدولية. لكن رغم هذا اليأس طرأت على خريطة العالم الجيو ـ سياسية تغييرات ذات دلالة جعلت بقاء ظاهرة «النظام العالمي الجديد» موضع شك. فعلى الصعيد الغربي أخذ «الاتحاد الأوروبي» في البروز كقطب دولي يتحدى زعامة الولايات المتحدة في المجال الاقتصادي.. ولاحقا في المجال السياسي الدولي. وعلى الصعيد الشرقي صعدت الصين كقوة دولية عظمى تنافس السطوة الدولية الأميركية في مجال التجارة العالمية والسيطرة السياسية الأميركية في شرق آسيا. لقد كان هذان التطوران التاريخيان كافيين لبعث الحياة من جديد في حركة عدم الانحياز عن طريق ارساء علاقة تحالف استراتيجي مع القطبين الأوروبي والصين في مواجهة الولايات المتحدة وأجندتها الاستعمارية. ورغم ان هذا لم يحدث حتى الآن بشكل جماعي إلا أننا رأينا مبادرات فردية من دول عالمثالثية بعينها اتخذت لنفسها نهجا استقلالياً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية عن طريق استقطاب العون الصيني والعون الياباني. فقد ظهرت «النمور الآسيوية» ـ ماليزيا وسنغافورة واندونيسيا وتايلاند وكوريا الجنوبية ـ كنموذج جيد للنهوض الصناعي الاستقلالي اعتمادا على الذات من ناحية وعلى تحرك سياسي خارجي تدفعه اعتبارات الطموح الوطني لا اعتبارات التبعية. وفي غرب آسيا رأينا ايضا الهند تسير على النهج نفسه فتحقق نموا اقتصاديا ذا معدلات متصاعدة ينتج عنه اكتفاء ذاتي كامل في كل السلع الضرورية. وعلى الجانب المقابل ظلت بقية اجزاء العالم الثالث في المنطقة العربية وافريقيا واميركا اللاتينية اسيرة التبعية للولايات المتحدة عن طريق صندوق النقد الدولي.. وبالتالي أسيرة سياسات مفروضة عليها تقضي بأولوية التمويل لصفقات السلاح عوضاً عن تمويل مشاريع تنموية. الآن يتكشف لنا من خلال تداعيات الأزمة العراقية ان ظاهرة «النظام العالمي الجديد» تتلاشى مع المزيد من البروز للاتحاد الأوروبي والصيني ـ بل وروسيا ايضا ـ كمقدمة لعهد دولي جديد: عهد تعدد الأقطاب. وهنا نلاحظ بوادر تمرد في اميركا اللاتينية ضد الولايات المتحدة تتمثل في نزعة للتحرر الاقتصادي والاقتداء بالنهج الكوبي في كل من فنزويلا والبرازيل والمكسيك وكولومبيا.. وربما تكون بيرو على الطريق بينما نلاحظ ايضا ان العالم العربي وافريقيا لايزالان مرتهنين الى الهيمنة الأميركية. هناك اذن ما يدعو الى الأمل في ان حركة عدم الانحياز قد تنبعث من جديد كقوة دولية مستقلة. لكن هذا الأمل يبقى رهيناً بشرطين: أولا أن تتكون داخل الحركة نواة قيادية راديكالية تتكون جماعيا في دول مثل ماليزيا والهند وكوبا وزيمبابوي أثبتت وجودها الاستقلالي في ساحة العلاقات الدولية.. وثانيا.. أن تسعى هذه النواة القيادية الجماعية الى ايجاد علاقة تحالفية مع كل من الاتحاد الأوروبي والصين في وجه الهيمنة الأميركية. وفي كل الأحوال فان الغد أفضل من اليوم كما يبدو.