الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 ان من اللازم، من المنظور القومي والانساني، تعزيز ثقافة السلام واشاعتها. يجب ان تشيع ثقافة السلام في العالم اجمع. البشر كلهم في جميع القارات يطمحون الى العيش في ظل السلام ويتوقون الى الحس بالامان، وهم يحتاجون الى السلام والأمن من الخوف والعنف والفاقة. والحقيقة ان ثقافة السلام لم تعم العالم، وينبغي للبشرية ان تقطع شوطا طويلا قبل اشاعة هذه الثقافة. وينبغي الدفاع عن هذه الثقافة. ان تاريخ البشرية حافل بالامثلة على تراجع مركز الافكار النبيلة السامية لأن اعداء السلام وثقافة السلام انتهكوها وقل الذين انبروا للدفاع عنهما. لقد كان السلام الدائم الثابت الاركان على الارض الحلم الذي داعب خيال كثير من البشر. ومن اللازم تحويل هذا الحلم المداعب الى واقع ملموس يعيشه البشر في كل الاصقاع التي يعمرونها. والعلاقات الودية والبناءة والايجابية بين الدول والشعوب والافراد هي العلاقات القائمة على أساس احترام السلام. يجب ان يصبح السلام جزءا لا يتجزأ من وعينا وان ينشأ البشر على ثقافة السلام وان يجعلوا ثقافة السلام جزءا من وعيهم وان يضفي على ممارسة السلام طابعا مؤسسيا. وفي الحقيقة ان حالة السلام ليست غريبة على الانسان. فالتاريخ حافل بالامثلة على عيش الناس في وئام وفي ظل السلام. ومع ذلك يفسد الصراع احيانا كثيرة حالة السلام هذه. لقد شهدت البشرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 نشوب صراعات في اماكن كثيرة من العالم. ووفقا لاحد التقديرات نشبت منذ ذلك الوقت اكثر من مئة وخمسين حربا اودت بحياة اكثر من ستة وعشرين مليون شخص. ونشبت صراعات كثيرة ليس بين الدول فحسب ولكن داخلها ايضا. ومما يرثى له ان البشرية لا تزال تعاني من ويلات الحروب والصراعات على الرغم من سفك الدماء الرهيب والتدمير الهائل اللذين حدثا خلال الحربين العالميتين الاولى والثانية. تحدي السلام ان استئصال شأفة الحرب والعدول عنها الى السلام احدى المهام الجليلة التي ينبغي للبشر ان يسعوا الى تحقيقها. وفي الحقيقة ان الانتقال من ثقافة الحرب الى ثقافة السلام من التحديات الكبرى التي واجهت البشرية طيلة قرون كثيرة ولا تزال تواجهها في بداية القرن الحادي والعشرين. ومن السليم ان تتصدى البشرية جمعاء والامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى والمنظمات الاقليمية لتحدي اشاعة ثقافة السلام. ويتعين على حكومات العالم اجمع ان تحشد العزم وتعبئ الموارد لبناء ثقافة السلام. وتوجد جهات مناصرة لثقافة السلام في مختلف ارجاء العالم. لقد قدم الامين العام للامم المتحدة والمدير العام لمنظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو» في الدورة الثانية والخمسين للجمعية العامة التقرير A/52/292 المعنون «نحو ثقافة للسلام». وناشد الفائزون بجائزة نوبل للسلام تخصيص عقد لثقافة مناهضة العنف اعتبارا من سنة 2000 حتى سنة 2010. لقد ادت اليونسكو دورا مهما في تعزيز وتشجيع ثقافة السلام. وما انفكت تقوم بنشاطات ترمي الى النهوض بهذه الثقافة. في سنة 1946 ادرجت هذه المنظمة في ميثاقها الرأي المصيب القائل ان الحروب تبدأ في عقول البشر. وفي سنة 1993 وضعت اليونسكو برنامج ثقافة السلام، وشاركت في النشاطات الرامية الى النهوض بهذه الثقافة على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية، وعلى وجه الخصوص عن طريق برامجها الاعلامية والثقافية والعلمية والتعليمية. وسلم المؤتمر الثامن والعشرون لليونسكو في سنة 1995 ان الانتقال من ثقافة الحرب الى ثقافة السلام يشكل احد اكبر التحديات التي تواجهها البشرية اليوم. لقد ظن كثيرون ان نهاية الحرب الباردة تشكل بداية عهد جديد خال من الصراعات. ولكن الاحداث المأساوية التي اعقبت نهاية تلك الحرب اثبتت خطأ ذلك الظن. بعد الحرب الباردة انخفض مستوى عتبة التسامح بين عدد من المجموعات العرقية ومن الجماعات المنتمية الى ثقافات مختلفة. في منطقة البلقان ظهرت ونشبت صراعات عرقية ودينية مهلكة، ونشبت حرب بين اذربيجان وارمينيا وتفتك القوات الروسية بالشيشان الذين يكافحون ببسالة وشجاعة ويضحون بدمائهم وانفسهم من اجل نيل حقهم في الاستقلال. وتكثر الصراعات العرقية في افريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى. وتفتك قوات الاحتلال الاسرائيلي بالشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو الشعب الذي يكافح من اجل الحصول على استقلاله. وشهدت وتشهد مناطق اخرى العنف والصراعات المسلحة. هذه الصراعات كلها ادت الى ازهاق ارواح عشرات الآلاف من المدنيين الابرياء والعزل من المسنين والنساء والاطفال. ان نسبة عالية جدا من الصراعات تقع حاليا داخل الدول وليس فيما بينها. وحوالي تسعين في المئة من ضحايا هذه الصراعات من المدنيين. تشير هذه التطورات الى ضعف ثقافة السلام والى الحاجة الى تعزيز هذه الثقافة في العالم. من شأن ذلك التعزيز ان يسهم اسهاما ذا شأن في هدف انقاذ الاجيال القادمة من البشرية من ويلات الحروب والصراعات. ولتحقيق هذا الهدف من اللازم معرفة الاسباب الكامنة وراء نشوب الصراعات. وتشمل قيم السلام التسامح والتضامن واقامة علاقات حسن الجوار واقامة العلاقات الودية والتعاون بين الدول والشعوب، واجراء الحوار والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان ونبذ العنف بوصفه وسيلة لحل الصراعات الاجتماعية، واحترام الشعوب كلها بعضها لبعض واحترام انسانية كل البشر واحترام الحق في الحياة وحرية التعبير عن الرأي، واحترام حق الشعوب في الاستقلال واحترام مبدأ سيادة الدول، وغيرها من القيم. وحق الشعوب في الدفاع عن استقلالها واراضيها وثقافتها وسيادتها مقوم اساسي من مقومات ثقافة السلام. ومن نفس المنطلق فان انتهاك حقوق الانسان وسيادة الدول مما يتناقض مع هذه الثقافة. وتتضمن اتفاقات ثقافية وسياسية واقتصادية بين الدول كثيرا من قيم السلام. ولكن السلام وقيمه تتجاوز هذه الاتفاقات. ولذلك يجب ان تستوعب عقول البشر كافة القيم الاساسية لمفهوم السلام. عوامل معززة ومن شأن اشاعة ثقافة السلام ان تسهم في بناء السلام وحفظه. ومن أجل اقامة ثقافة السلام على أساس قوي يجب تعزيز العوامل التي تعزز هذه الثقافة وازالة او اضعاف العوامل التي تضعفها. من شأن ثقافة السلام ان تتعزز بتثقيف البشر بمقاصد ومبادئ القانون الدولي والانساني، ومنه ميثاق الامم المتحدة، الذي يرفض التدخل في الشئون الداخلية للدول ورفض الاحتلال ورفض سيطرة الاخرين على موارد الدول وعلى الشعوب. وهذا القانون يرفض السعي الى اعادة النفوذ الاستعماري الى تلك الدول. ولتعزيز ثقافة السلام يجب تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي هي حق من حقوق الانسان. اذا حققت التنمية امكنت ازالة الفقر والعوز والمرض والامية، وهي عوامل تضعف ثقافة السلام. ومما من شأنه ان يعزز ثقافة السلام ايضا الاحجام عن اتباع سياسات تعمق الفجوة القائمة بين الدول الصناعية المتقدمة النمو والمتطورة تكنولوجيا الغنية، ودول العالم الثالث النامية المتخلفة تكنولوجيا الفقيرة العاجزة عن توفير فرص النمو والتنمية لمواطنيها وفرص الاستثمار الامثل لمواردها البشرية والطبيعية، مما يفضي الى المديونية والبطالة اللتين تزدادان استفحالا سنة بعد اخرى. والحضارة التي تنبثق عن ثقافة السلام حضارة من ملامحها مناهضة مظاهر الجهل والقهر والتخلف. ولا يمكن لثقافة السلام الا ان تكون مكافحة للاستغلال الاجنبي والاحتلال الاجنبي والهيمنة الاجنبية والفقر والتشرد. فهذه الآفات جميعا خطر على سلم المجتمع الدولي وامنه. ولهذه الظواهر اثر في اشاعة الفوضى على الساحة الدولية وتؤدي الى الاعتماد على القوة العسكرية التي تناقض مفهوم ثقافة السلام. فثقافة السلام تناصر التعاضد والتعاون والتضامن والمشاركة من اجل سد الفجوة المتزايدة العمق بين مجتمع الشقاء والمعاناة والبؤس من ناحية ومجتمع الثروة والقوة من ناحية اخرى. وثقافة السلام بحكم تعريفها مناهضة لثقافة الحرب، ولا يمكن لثقافة السلام ان تكون محايدة تجاه التحديات التي تضعها ثقافة الحرب وثقافة السيطرة والعدوان امام دول العالم وشعوبه. والعالم الذي نعيش فيه عالم ليس خاليا من الحروب والصراعات والازمات والاسباب التي تفضي الى نشوب الحروب. وقبول حالة تعدد الثقافات من شأنه ان يكون جزءا من ثقافة السلام وان يكون مثريا لهذه الثقافة. ومما يتناقض مع ثقافة السلام فرض دول لثقافاتها على دول وشعوب اخرى وقيام الدول الفارضة المملية المسيطرة باضعاف ثقافات الشعوب الاضعف وبتهميشها وبطمسها. ومما من شأنه ان يسهم في نشوء ثقافة السلام وفي تعزيزها التقريب بين الثقافة الوطنية والثقافة الانسانية التي هي بطبيعتها اعم واشمل. وجعل الثقافات الوطنية تتضمن قيما انسانية من قبيل الانفتاح على الغير وقبول الغير والاقرار بوجود حاجات اساسية لدى كل البشر والسلوك من منطلق وحدة الجنس البشري ومراعاة متضمنات الانطلاق من الاعتقاد بهذه الوحدة. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة