الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 قبل قليل من بدء عمل عسكري أميركي بريطاني يبدو أكثر احتمالا ضد العراق أتت الرياح بما لا تشتهي سفن المعارضة العراقية، فبعد أعوام من مراهنة هذه المعارضة على بناء عراق ديمقراطي بعد صدام حسين وهي مراهنة عززها تحول ملحوظ في الخطاب الرسمي الأميركي، ومع تصور أن الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر ستعتبر انتشار الديمقراطية في المنطقة العربية ضمن الشروط الموضوعية لتحقيق مصالحها في المنطقة، كانت هذه المراهنة تبدو منطقية. وبعد كثير من التكهنات والوعود كشفت الولايات المتحدة عن وجهها الحقيقي بعد أن حصلت على معلومات كانت في حاجة إليها لمشروعها بشقيه السياسي والعسكري، وبعد أن استخدمت فصائل المعارضة لحشد تأييد دولي لهدف تغيير نظام الحكم في العراق. وتبخرت تصريحات كثيرة رددها مسئولون أميركيون عن دور كبير للمعارضة العراقية في نظام الحكم الجديد، وتوشك أن تتبخر أيضا الوعود المتعاقبة بالحفاظ على وحدة أراضي العراق. وعلى طريقة الانهيارات الكبيرة في البورصات المالية انهارت بورصة التوقعات التي ازدهرت لأكثر من عام تم فيها تداول أسماء لا حصر لها رشحتها الشائعات والتسريبات المتعمدة للجلوس على كرسي الحكم، فلا الباقر ولا الجلبي ولا الطالباني ولا غيره رسا عليه المزاد!!، والأنباء القادمة من كندا - حسب صحيفة كلوب أند ميل الكندية في تقرير لمراسلها من مدينة السليمانية نشر الخميس 13 فبراير - أن الحل الذي سيطبق فعليا هو خطة اميركية من خمس نقاط لوضع العراق تحت حكم عسكري أميركي يدعمه مجلس استشاري عراقي عينته واشنطن. ورغم أن الخطة كانت مثار اعتراض معلن من كثير من قادة المعارضة قبل إعلانها رسميا فإن ما حدث بالفعل كان مشهدا من مشاهد الاستعلاء الأميركي الفاضح. فالمبعوث الأميركي زلماي خليل زادة أبلغ هذه الخطة إلى مندوبي ثلاث جماعات معارضة عراقية رئيسية في لقاء جمعه بهم في أنقرة، وأضاف هؤلاء الزعماء في مقابلات أجريت معهم أن الخطة المؤقتة تتضمن : تنصيب حاكم عسكري أميركي، وتشكيل مجلس استشاري من شخصيات عراقية، وتشكيل مجلس قضائي يتولى صياغة مسودة دستور جديد، واستبدال الوزراء الحاليين ووكلائهم بضباط عسكريين أميركيين !!، وانتخاب جمعية تأسيسية وطنية بعد مضي عام تستلم السلطة في العراق وتصادق على الدستور الدائم. وما نسفته هذه الخطة ليس فقط احتمال قيام حكم وطني عراقي بعد العدوان المحتمل بل تشييع فكرة «الفيدرالية» إلى مثواها الأخير، وقد كانت الفيدرالية القاسم المشترك لمعظم الوثائق التي صدرت عن فصائل المعارضة العراقية خلال العام الماضي، وسواء كانت الإدارة الأميركية صادقة في التبرير الذي قدمته للمعارضة العراقية من أن هذه الخطة جاءت استجابة لمطالب أطراف عربية تحفظت على قيام حكم ديمقراطي فيدرالي في العراق أم لا، فإنها بالقطع تنكرت للمعارضة العراقية على نحو مهين وأدارت ظهرها لها ربما للمرة الأخيرة، ومما يعزز هذا أن السجال حول العمل العسكري المحتمل قد أصبح - عمليا - سجالا غربيا ـ غربيا. وقد اكتسبت هذه الخطة مصداقية رسمية أميركية كبيرة، فنائب وزير الخارجية الأميركي للشئون السياسية مارك جروزسمان أخبر لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ بأنّ احتلالا عسكرياً أميريكياً يمكن أن يدوم سنتين، كما قلل جروزسمان من أي أمل للمعارضة العراقية بأن تلعب دوراً رئيساً في الإدارة الانتقالية. وقال صراحة: «بينما نحن نستمع إلى ما يخبرنا به العراقيون، فإن الحكومة الأميركية ستتخذ قراراتها مستندة إلى ما يحقق مصلحة مواطني الولايات المتحدة». والأخطر من هذا أن تعهد الولايات المتحدة الحفاظ على سيادة العراق ووحدته أصبح هو الآخر محل شكوك عميقة، فبعد أن شغلت فصائل المعارضة العراقية ببعضها البعض واستغلت كل الخلافات الناشبة بينهم - وعند اللزوم كانت تصنع بعضها - فاجأت الجميع بمنحها وعدا لتركيا بأن تسمح لها بتواجد عسكري «محدود» في شمال العراق حتى تستتب الأوضاع في ظل النظام الجديد، ولضمان عدم قيام دولة كردية. وسرعان ما تبين أن الوجود المحدود يتكون من ثمانين ألف جندي «في مقابل السماح بدخول عشرة إلى عشرين ألف جندي أميركي شمال العراق من تركيا»، ويشكل حرص تركيا على التواجد بهذا الحجم الكبير مؤشرا شديد الخطورة، وقد استيقظت بالفعل المخاوف الكردية، وهي مخاوف تستند لتاريخ طويل من القمع وأنهار من الدماء. وزاد هذه المخاوف تصريحات أردوغان الأخيرة التي اعتبر فيها أن مقترحا أميركيا محتملا بأن تكون القوات التركية التي ستتواجد في شمال العراق تحت قيادة أميركية يشكل «إهانة»!!، وهكذا تكتمل ورطة المعارضة العراقية، فبعد أن صارحتها الإدارة الأميركية بأنها غير مدعوة إلى «وليمة السلطة»، وأن حلمها بعراق فيدرالي بعيد المنال، أصبحت أمام غزو تركي أميركي لا يختفي وراء أية أقنعة. ويكفي لكي نتخيل الاحتمالات الخطيرة التي أصبحت واردة في هذا الملف الحساس أن نتذكر تصريح مسعود البرزاني «إذا تحول الأتراك إلى قوة احتلال فسندفنهم هنا!!». فهل راحت السكرة وجاءت الفكرة ؟! ـ كاتب مصري