الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 قرأت قبل أيام قليلة مقالا للكاتب الإيطالي الشهير «امبرتو ايكو»، صاحب رواية «اسم الوردة» يعكس رأيه في بعض الزعماء الأوروبيين المتطرفين الذين أعلنوا تأييدهم بلا تحفظ، وفي أحيان كثيرة بحماس كبير، لخطط الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش الإمبريالية التي تريد البدء بحملة استعمارية جديدة تبدأ باحتلال العراق باسم السلام، أو باسم القضاء على أسلحة الدمار الشامل، بينما الهدف الحقيقي هو تغيير الخريطة السياسية العالمية في تقسيم جديد يشبه ما حدث بعد الحرب الكونية الكبرى. ويرفض الكاتب في مقاله عملية الخلط التي يقوم بها البعض مثل بيرلسكوني رئيس وزراء إيطاليا أو خوسيه ماريا ازنار في إسبانيا، وتوني بلير في بريطانيا، ما بين الحرب الاستعمارية وإحلال السلام، مؤكدا أن الإعجاب بالولايات المتحدة لا يعني مطلقا تأييد سياستها الاستعمارية والتوسعية حتى لو تمت تحت الشعار الخادع: «السلام العالمي». ويأتي هذا المقال في أعقاب المظاهرات الكبرى التي سارت في شوارع معظم الدول الأوروبية رافضة للحرب كأداة لحل المشاكل الدولية، وأيضا لتؤكد الرفض الشعبي الواسع لمشاركة أوروبا في أية مغامرات عسكرية أميركية لا هدف من ورائها سوى تثبيت الهيمنة الأميركية على العالم، خاصة بعد محاولة استغلال بعض السياسيين لهذه المظاهرات باعتبارها تأييدا لسياستهم تجاه قضايا معينة داخلية أو محلية واستخدامها ذريعة لتبرير مواقفهم المؤيدة لحرب جورج بوش الخاصة للسيطرة على بترول منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يعتبر قلبا للحقائق التي أكدتها استطلاعات الرأي التي تشير إلى تدني شعبية معظم هؤلاء السياسيين، وبشكل خاص شعبية رئيسي وزراء إسبانيا وبريطانيا، وهما من مؤيدي خطط جورج بوش بلا تحفظ. تحول معاكس هذا المقال في حقيقته يعكس تحولا كبيرا في الرأي بين الكثير من المثقفين الأوروبيين الذي انخدعوا خلال الأشهر القليلة الماضية بالحملة الإعلامية الأميركية التي قادها الرئيس الأميركي وفريق إدارته تحت شعار «مكافحة الإرهاب» على اثر أحداث 11 سبتمبر، والتي تحولت إلى «حرب صليبية» حقيقية، ليست ضد الجذور الحقيقية للإرهاب، بل لتجريم تفكير معين ومختلف يرفض الهيمنة الأميركية التي تختبئ خلف هذا الشعار. ويعكس مقال امبرتو ايكو مع غيره من المقالات التي كتبها مثقفون لهم مكانتهم كالإسباني «خوان جويتيسولو»، وتم نشرها مؤخرا في وسائل الإعلام الأوروبية استجابة للتحولات السريعة التي حدثت خلال الأسابيع الأخيرة في الرأي العام العالمي، وهو تحول يشبه التحول الذي حدث في أعقاب أحداث الثلاثاء الدامي في نيويورك وواشنطون، وان كان هذه المرة في الاتجاه المعاكس. إذا كان التحول في الرأي العام بعد أحداث 11 سبتمبر منح الرئيس الأميركي المنتخب حديثا وقتها «جورج دبليو بوش» شرعية للحكم، برغم كل ما أحيط حول انتخابه من شكوك، نظرا للشك في حقيقة عدد الأصوات الصحيحة التي حصل عليها في مواجهة الديمقراطي «آل جور»، وجعلته يتحول، عن غير استحقاق، إلى زعيم سياسي، بل وان يهرب من مطاردة العدالة له، بعد تكشف حقائق دوره في إفلاس شركة «انرون»، والدور المشبوه لمساعديه، من ديك تشيني نائبه، وحتى آخر مستشار في البيت الأبيض، لعلاقتهم بشركات الطاقة بشكل عام والبترول بشكل خاص، فإن التحول الجديد في الرأي العام العالمي بل وفي الرأي العام الأميركي نفسه بدأ ينزع تلك الشرعية عن الرئيس الأميركي، ويهدد ببقائه بمفرده مع حاشيته «المتمترسة» في فراغ البيت الأبيض البارد. هذا التحول الجديد في الشارع السياسي الأوروبي والأميركي لم ينزع الشرعية عن جورج بوش فقط، بل ينزع الشرعية عمن أحاط به من صغار زعماء أوروبا، في بريطانيا وإسبانيا وإيطاليا، إلا أن الكثير من المراقبين يحذرون من أن هذا الرأي العام الجديد لا يزال بلا قيادة حقيقية توجهه، وفي حاجة إلى الاستغلال وبالشرعية نفسها التي استغلت بها الإدارة الأميركية دماء الضحايا في 11 سبتمبر وجعلها تقوم بأكبر عمل وحشي ضد الشعب الأفغاني، وتهدد بعقاب العالم كله دون أن تجد من يبدي علامة أخرى غير الموافقة. الموقف الحالي عالميا مع أي توجه لمواجهة الإمبريالية الجديدة التي تكشفت ملامحها بشكل بشع، وأصبحت تهدد الأمن والسلام العالمي، لأن أي خطوة أخرى نحو البدء بحرب جورج بوش ضد العراق تهدد بتدمير الأمم المتحدة نفسها، وبالتالي تهدد وجود المنظمة الدولية الوحيدة القادرة على لعب دور مهم في حال حدوث أزمة على مستوى كوني، خاصة بعد أن تبينت نوايا البيت الأبيض خلال الأيام القليلة الماضية التي تريد التلاعب بأصوات صغار الأعضاء بمجلس الأمن لإحراج الكبار الذين أعلنوا معارضتهم مسبقا لأي قرار يضفي على حرب بوش ضد العراق شرعية دولية، لأن أي قرار من مجلس الأمن في هذا الاتجاه يمنح الإدارة الأميركية تصريحا بالقتل الجماعي، وبالتالي ممارسة حرب الإبادة التي قررتها الإدارة الأميركية في هذه الحرب مسبقا، لأنها إذا بدأت بإطلاق الطلقة الأولى فإنها لن تتراجع عن تنفيذ أهدافها مهما كانت الأسباب، ولن تكون على استعداد لأي خسارة في هذه الحرب، أي أن النصر لا بد وان يكون حليفها، ولا طريق أخر لها في هذه الحرب سوى بإعلانها تحقيق أهدافها كاملة، ولتحقيق تلك الأهداف قد تجد نفسها مجبرة على الانتصار فيها على طريقة انتصارها على اليابان في الحرب العالمية الثانية، باستخدام القنابل النووية لوقف أي مقاومة شعبية في بغداد وغيرها من المدن العراقية كما استخدمتها في هيروشيما ونجازاكي، أي استخدام أسلحة الدمار الشامل الفتاكة التي تفوق فتك الأسلحة التي تدعي وجودها في حوزة نظام صدام حسين. نزع الشرعية عن حرب بوش الإمبريالية اصبح الآن متاحا أكثر من أي وقت مضى، ولا يحتاج سوى إلى انتهاز الفرصة السانحة الآن، وعدم تضييعها لقلب موازين الأمور مجددا، والإبقاء عليها حتى يتجرع البيت الأبيض من الكأس نفسها التي تجرع منها العرب والمسلمون طوال العام الماضي، بعد أن تم اتهامهم بلا أدلة بأنهم كانوا وراء تدمير مركز التجارة العالمي في نيويورك، وجزء من البنتاجون في واشنطون، ولكن السؤال المزدوج المطروح الآن هو: كيف يتم استغلال المناخ السائد حاليا والمعادي لخطط بوش الاستعمارية، ومن هو القادر على تسخين المناخ ودفعه نحو مزيد من العداء للسياسة الرسمية الأميركية، وقيادته في هذا الاتجاه؟ عودة الوعي يؤكد المحللون والمراقبون الذين تابعوا ويتابعون المظاهرات الحاشدة التي خرجت إلى شوارع العواصم الكبرى في العالم خلال الأيام القليلة الماضية، وكانت اكثر كثافة في عواصم الدول التي تؤيد حكوماتها جورج بوش بشكل علني، أن تلك المظاهرات لا يجب أن تؤخذ على محمل الهزل، والتعامل معها على أنها حالة غضب سريعة الزوال يعتبر أمرا خطرا، لذلك لا بد من التريث قبل إصدار أي حكم سريع يبعدنا عن المغزى الحقيقي لتلك المظاهرات، التي يجب التعامل معها على أنها أحد مظاهر «عودة الوعي» الغائب طوال أكثر من عام ونصف العام، كان فيه العالم مغيبا تحت وطأة الحدث الرهيب، ومستسلما لأدوات الإعلام الأميركية التي وجدت نفسها تتخبط بين خيوط العنكبوت التي نسجها لها البيت الأبيض، الذي كان في حاجة إلى أي حدث لاستغلاله في إبعاد الأنظار عن جهل الرئيس الأميركي الجديد وإخفاء الفضائح التي بدأت تتكشف بعد أسابيع قليلة من تسلمه منصبه. بل هناك من يؤكد أن عودة هذا الوعي بدأت بالفعل مع بدء «الحملة الإعلامية الصليبية» الأميركية بعد 11 سبتمبر، وأن خطط بوش في العراق ليست سوى الفتيل الذي أشعل القنبلة النائمة التي كانت تنتظر الوقت المناسب للانفجار، أو تبحث عن سبب لتعبر عن نفسها، ويدلل المراقبون على ذلك بالإشارة إلى الشعور بالعداء المتزايد في مناطق تبدو بعيدة كمنطقة أميركا اللاتينية التي بدأت تتجه نحو اليسار على الرغم من الشعور بالاطمئنان تجاه هذه المسألة من جانب الولايات المتحدة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، فقد قامت خلال العامين الأخيرين عدة حكومات يسارية منتخبة بشكل شرعي وديمقراطي في دول أميركية لاتينية لها مكانتها مثل فنزويلا والبرازيل. وهناك من يؤكد أن خطط بوش العسكرية في العراق تأخرت بسبب فشل الخطط الأميركية في قلب نظام الحكم في فنزويلا واستخدام بترولها كبديل لبترول الشرق الأوسط في حالة استمرار المقاومة في العراق لفترة أطول من شهر. لكن المؤسف الحقيقي أن هذا التحول في الشارع السياسي الأوروبي والأميركي لا يزال بعيدا عن تفكير العرب، ولم يتم الالتفات إلى هذا التحول على أنه الفرصة الذهبية التي طال انتظارها لاستغلالها في تصحيح الأوضاع المشوهة الناتجة عن أحداث 11 سبتمبر، فلم نجد مؤسسة عربية واحدة تخطط لاستغلال هذا المناخ المعادي للحرب للبدء في حملة إعلامية تزيل التشوهات التي علقت بالعرب والمسلمين خلال تلك الفترة. ويبدو أن هذه الفرصة ستضيع مثلها مثل فرص عديدة كانت مواتية لتقديم صورة صحيحة وضاعت بسبب تقاعس المؤسسات الرسمية، وغياب الوعي لدى المؤسسات العربية والإسلامية الخاصة. ـ كاتب مصري