الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «عجبت من جلد الفاجر وعجز الثقة» وقد سجل التاريخ هذه الكلمة للفاروق الرجل الملهم الغيور على مصلحة دينه وعلى ابناء امته وحفظها طيلة القرون الماضية كواحدة من ذخائر الفكر الاسلامي التي تصور حالة غريبة من الحالات التي يمر بها العقل المسلم، يكون فيها صاحب المباديء شخصا ضعيفا مسلوب الارادة، عاجزا عن المقاومة مستسلما للتيار، تخور قواه، وتخذله ارادته وتطيش سهامه، ويقرر الانكفاء على نفسه والتراجع عن مواقفه، والسبب يعود الى القوة التي يظهرها اصحاب الاتجاه المضاد اولئك الذين يحاربون المباديء، ولا يدخرون وسعا في الترويج لمشاريعهم الهدامة، ويحتالون لها بشتى الوسائل والحيل، واللافت انهم ينجحون في حين يخفق خصومهم الشرفاء الذين سرعان ما تنقطع انفاسهم، وتتكسر عصيهم، ويؤثرون الصمت الطويل كخيار يحتمون به من اخطار المواجهة مع الخصوم الاقوياء!! اي حالة غريبة هذه، واي هزيمة يمنى بها المجتمع في رجاله الثقات الذين رضوا من الغنيمة بالاياب، وآثروا راحتهم على مستقبل مجتمع بأكمله كانوا خليقين لو توفرت لهم بعض الشجاعة ان يساهموا في النهوض به وحمايته من تجار العبث واللهو والفكر الرخيص. ترى ألا يحق لنا ان نتساءل ازاء هذا التخاذل المكشوف من احق باللوم والتوبيخ: هل هم المفلسون من القيم، المغيبون عن ذواتهم الذين ضعفت لديهم الرؤية، وفقدوا القدرة على تحديد الطريق الاجدر بالانسان الناضج ام هم اولئك الذين عرفوا وتراجعوا عن ادوارهم الحضارية في تعريف الجاهل، والاخذ بيد الحائر، وحماية المجتمع من المتطفلين والادعياء؟! ان مما يدمي القلب ويجلب الهم والنكد ان نرى اشخاصا يتمتعون بالكثير من الوعي، والكثير من الخير المخبوء في سرائرهم لكنهم ـ مع الاسف الشديد ـ لا يثقون في امكانياتهم، ولا يطمئنون لقدرتهم على المشاركة في التأثير في الاحداث والمواقف العامة. وهكذا ينطبق عليهم قول الشاعر العربي الساخر: ويقضى الامر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود لقد تدثر هؤلاء بلحاف الكسل، وركنوا الى الاحلام والمنى عساها تنوب عنهم في تجسير الصلة ما بين القيم العليا وما بين واقع الناس وركبوا مركب العجز فأنزلهم ارضا قاحلة ليس فيها ري ولا زرع. تبلد في الناس حس الكفاح ومالوا لكسب وعيش رتيب يكاد يزعزع من همتي سدور الامين، وعزم المريب لقد سدر الامين وهجع، ومال على احد شقيه وعلا شخيره وتدفأ في لحافه الوثير تاركا الدنيا خلف ظهره تموج بمن عليها، وتغلي بما فيها، وتقييء اخلاقا رديئة، وسلوكيات فجة، وممارسات تعيق المجتمعات عن اداء دورهم في البناء وتحقيق الذات، مما اشاع حالة من الخدر والرغبة في التثاؤب ونشر ثقافة ضحلة تبشر بمستقبل اغلب افراده يركضون وراء اغراضهم الخاصة بعيدا عن الانتماء لاهداف هي أجدر بالانسان. ترى الى من نوجه اصابع اللوم وعبارات الاتهام هل للجهلاء الذين فاتهم من المعرفة الكثير، ام لفئة من المخلصين الذين وثقنا بهم وخذلونا، ورشحناهم ليمارسوا ادوارهم لكنهم تعثروا امام اول عقبة، وسقطوا امام اول اختبار، حتى اذا اتى الذئاب يعوون من كل صوب وجانب وجدوا اصحاب الشياه مشغولين بأنفسهم فوثبوا على الحمى وتقمصوا دور الحارس بعد ان تأكدوا انه اضعف من ان يدافع عن حقوقه، او يحمي سواه، فانطبق على الجميع قول الشاعر الذي نظر الى ما وراء الافق، وشخص الحال المثير للغضب قائلا: وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف اذا كان الذئاب لها الرعاة