الجمعة 27 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 28 فبراير 2003 الاعتراف بالحق فضيلة كما يقولون.. ونحن العرب في امس الحاجة ليس فقط لكرسي اعتراف كي نكفر عن ذنوبنا التي نرتكبها بحق انفسنا بل الى مليارات الكراسي وربما لن تكفي. من بين هذه الاعترافات اننا انهزمنا في معركتنا الراهنة مع اميركا قبل ان تنطلق الرصاصة الاولى من البندقية الاميركية بشهور كثيرة. هذه الهزيمة المبكرة ليس سببها فقط كما يعرف الكثيرون انقسامنا وتشرذمنا وغياب ارادتنا، وتحالف بعضنا مع الاجنبي على حساب شقيقه، او لتخلفنا الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل هناك ايضاً سبب اخر لا يلتفت اليه كثيرون. هذا السبب في تقديري هو هزيمتنا الاعلامية، وتسليمنا برواية عدونا، ولمن لا يدري فقد اصبح سلاح الاعلام يسبق احياناً كثيرة الاسلحة التقليدية من صواريخ ومدفعية ومقاتلات ودبابات، بل يصل احياناً ليصبح سلاح دمار شامل. ومن تابع تسلسل الازمة منذ بدايتها ربما بعد احداث 11 سبتمبر 2001 يدرك بسهولة ان غالبية اجهزة اعلامنا العربية تولت ببلاهة منقطعة النظير دور الببغاء التي تكرر وتلوك كل ما تبثه آلة الاعلام الاميركية الجبارة من اخبار وتقارير بعضها حقيقي وغالبيتها اكاذيب. قد يجادل البعض بالقول ان المهنية الاعلامية وحق القارئ العربي في المعرفة تتطلب نقل وجهة النظر الاميركية، وهو على حق تماماً، لكن ما اقصده هنا بعيد تماماً عن الجوانب المهنية التي كان غيابها في ازمات كثيرة سابقة احد ابرز اسباب هزائمنا المستمرة. ما اريد الاشارة اليه باختصار ان اميركا درست نفسيتنا جيداً وعرفت طريقة تفكيرنا وهكذا بدأت معركتها ضدنا منذ شهور طويلة، فكيف كان الرد الاعلامي العربي؟ للاسف الشديد ان غالبية وسائل اعلامنا من فضائيات الى صحف الى اذاعات بل ومواقع الكترونية تعاملت مع المادة الاعلامية القادمة من واشنطن ولندن وكأنها «قرآن منزل» تتولى نشرها دون اي تمحيص او حتى دراسة اثرها النفسي على المواطن العربي وعلى قدرته في مقاومة العدوان الاميركي المتوقع. وهكذا رأينا ان أي تقرير تذيعه فضائية اميركية درجة ثانية او صحيفة انجليزية محدودة التوزيع يتحول بقدرة قادرة قادر الى مانشيتات بخطوط مضخمة في صدر نشراتنا وصحفنا. انشغلنا بالسيناريوهات التي تسربها البنتاغون او وزارة الدفاع البريطانية، وبدلاً من التفكير في فضحها او مهاجمتها باعتبارها عدواناً مبيتاً على دولة شقيقة ينص ميثاق جامعة الدول العربية على ضرورة الدفاع عنها امام اي عدوان اجنبي، بدلاً من ذلك انشغلت اجهزة اعلامنا بالتعامل مع هذه السيناريوهات وكأنها بصدد التعامل مع مباراة في كرة القدم.. وهل تبدأ الولايات المتحدة هذه المباراة الدموية بطريقة هجومية عبر استخدام صواريخ توماهوك كروز وطائرات الشبح والاسلحة الذكية الغبية، كي تحسم المباراة في دقائقها الأولى ام تلجأ لطريقة مدرب المنتخب المصري السابق محمود الجوهري وهي خوض المباراة بطريقة دفاعية بحتة بحيث تورط الاكراد والشيعة ليكونوا وقود المعركة ثم تدخل قواتها لكي تجني ثمار النصر السهل؟ انشغلت وسائل اعلامنا ايضاً بالجهة التي سيبدأ منها الهجوم وهل يكون برياً من الكويت وتركياً او احداهما، ام عبر القصف البحري من الخليج، ثم التعامل مع هذا الامر وكأنه قدر مصيري لا فكاك منه. انشغلنا ايضاً في جدال عقيم يخوضه العدو في اروقته الداخلية بشأن من يتولى حكم العراق بعد الاحتلال.. هل هو جنرال اميركي ام مجرد حاكم ولاية او احد افراد المعارضة العراقية.. ام يصبح العراق تحت الادارة الدولية؟ ولم ننتبه الى السؤال الحقيقي وهو ان مجرد ترديدنا لهذه السيناريوهات الاستخبارية الغربية هو تصديق لها وبالتالي تبنيها، ويتحول الامر الى مجرد مفاضلة بين الجنرال تومي فرانكس او اي عميل اخر؟! وفي النهاية اصبح بعضنا يتعامل مع هذه التسريبات الاعلامية التي مارستها معنا اميركا وبريطانيا بمهارة شديدة وكأنها واقع يصعب تغييره لدرجة ان كثيراً من الناس يتمنون في قرارة انفسهم ان ينتهي الامر بأي شكل سلماً اوحرباً.. المهم ان يتوقف الطنين الاعلامي الذي كاد ان يدمر «طبلة اذنهم»! وهنا تحققت هزيمتنا قبل ان تنطلق الرصاصة الأولى. ادرك تماماً ان كثيراً من وسائل الاعلام العربية مارست هذه العادة المرذولة بحسن نية حقيقية. لكننا ندرك ايضاً ان الطريق الى جهنم الاميركية مفروش دائماً بالنوايا الطيبة والسذاجة العربية منقطعة النظير!!