الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 من البعيد الذي تود الذهاب اليه، لا هربا من الحرب، ولا هربا من معضلات الواقع، ولكن لكي تتمكن من فتح عينيك على اتساع المشهد بكامله، لتقرأه وتتأمله وتسرح في تفاصيله باحثا عن تلك المفاصل الواضحة التي بامكانها ان تهديك الى اسباب ما انت فيه. من البعيد الذي تريده ايضا قريبا حتى تتمكن يدك من تغيير الخطأ في حال برزت لك ملامحه، تتمنى ان ترى العلة الكبرى من تلاقي الاسباب جميعها وان تقول هذا الزمان ليس بزماني، وان لجامه انفلت من بين اصابعك، وانك في السوق، في المباع والمشترى. تود ان تتأمل الحال بهدوء تام دون ان يطعنك في الصدر طفل من بلاد الله يجمع اشلاء امة، او ابيه، او اخوته ويجمع مع اوصالهم واشلائهم صفيح بيته واحجاره. تود ان تعرف لماذا يتسلط الانسان على الانسان بهذا القدر من الوحشية وان تقيس بهدوء المخالب التي نبتت والانياب التي طالت، وتدرس حالات الافتراس اللادامي، بهدوء وبعيدا عن كل الزيف المباع في الاسواق. ففي المدن العربية بضاعتان لا ثالث لهما، بضاعة تبيعها الاجهزة الرسمية بتخفيضات مثيرة، وبضاعة يبيعها البسطاء وبأثمان لا تقدر، تود ان في ذلك البعيد ان تعلم يقينا ان الفرق واضح بين البضاعتين، وتود ان تعرف بحرية مطلقة ان العجز ليس عجزك، وان الوحل الذي يغطيك ليس من ضياعك وفلتانك المجنون والمتخبط، وانما الوحل وضع عنوة في طرقاتك حتى لا تستقيم وتختال. في ذلك المكان البعيد القريب الذي تتمناه، ستكون بحاجة ماسة ان تجالس اصحاب البضاعة الاولى لتدرك ان ما اتفق عليه حدسك صحيحا، وستكون بحاجة ماسة ايضا ان تجالس البسطاء اصحاب البضائع الثمينة لتفضح الامر برمته. في المدن العربية.. احاديث الارصفة والمقاهي والباعة الجوالين اعمق من احاديث القصور. في المدن العربية..كنوز ملقاة في الطرقات واوبئة محمية بالبنادق!! في المدن العربية، تسقيك فناجين القهوة الكرامة العربية دافئة، وتسقيك ملاعق الذهب ذنوب الجبارين. من البعيد القريب .. بودك ان تجرب استراحة المحارب، فقط للحظات حتى لا تخسر الثقة ولا تخسر «انتيك» العربي الاصيل. الحالة ليست حزينة الى هذا الحد... انها فقط امنية.