الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 لكي نعرف ماذا «حدث» بعد خمسين عاما لابد أن نعرف ماذا «حدث» الآن. و«الآن» هذه ليس مقصودا بها بالطبع ساعة كتابة هذه السطور، وإنما المقصود بها ما حدث اليوم أو ربما في الأيام المقبلة، فإذا كنا نتحدث عن خمسين عاما، فلابد ان تتسع مصطلحات الزمن، ونبحث عن قياسات جديدة. فالآن مثلا اقترح صديق لي ان يكون قدره ما يعانيه أحدنا حتى يصل الى الجنون. ولكن صديقي هذا متشائم، ولولا الحاحه على ان أذكر اقتراحه ما ذكرته ولا تظنوا أنني سكت على ما قاله فلقد أنبته تأنيبا شديدا قلت له: يا أخي اقتراحك هذا يتطلب ملايين من أطباء النفس، وليس لدينا ولا عشر هذا الرقم فكيف نعرف من سيجن من حولنا بل كيف نعرف إذا لم يكونوا فعلا مجانين. أنا لا أريد ان أهدر الوقت في البحث عن مصطلحات مناسبة لمعنى كلمة «الآن» لأني واثق تماما في فطنة القارئ وأنه يدرك ما اقول وعلى القارئ الذي لم يدرك قصدي ـ إذا وجد ـ ان يتصل بي لأشرح له معنى مصطلح «الآن»! المهم انه الآن بدت الحياة في مصر المحروسة مختلفة بعض الشيء فالطائرات تتزاحم في السماء،والسيارات تطلق أصواتها محذرة الناس بخطورة راكبيها. وتساءل البسطاء ونحن منهم: الى أين يتجه كل هؤلاء العظماء؟ قالوا انهم عندما يأتون كل عام أو أعوام يتجهون الى ذلك المبنى المهيب في ميدان التحرير وهو مكان أجله وأقدره كثيرا ليس فقط لأنه مهيب وجليل بل لأن لي فيه ذكريات خاصة أهمها أنني حضرت اجتماعا ذات مرة وكنت في تلك الأيام مشغولا بموضوع لا علاقة له بالاجتماع، فلقد وصلني بالبريد من الولايات المتحدة نشرات تدعوني الى تفهم رسالة جماعة «شهود يهوه» وهي جماعة مشبوهة ولها نشاط مريب. وكان الطبيعي ان القي بهذه النشرات في سلة المهملات، وهو تعبير جميل نكتبه ولا نستخدمه.لكنني لم أفعل ففي هذه الأمور تتملكني رغبة عارمة للمعرفة، لذلك أخذت أفتش في الكتب، وأسأل أصدقائي، ولم أصل الى ما أريد. وكنت مازلت مهموما بالموضوع في هذا الاجتماع الذي لا أذكر سوى انه لم يكن له علاقة بالموضوع من قريب أو بعيد. ونحن جالسون وقف أحدهم يتكلم، واذا به يتحدث عن «شهود يهوه» ويشرح تعاليمهم، وخطورتها، وأنهم يستهدفون المنطقة العربية وبدا كأنه يرد على سؤال طرحه، فأعجبت به وبالمكان، وعرفت أنني سأجد دائما الاجابة هنا. وبمناسبة «شهود يهوه» والصهيونية «ومعاداة الاسلام والعرب»، الدعوة لكل هذه الأشياء موجودة على الشاشة ونتابعها مقابل مبالغ ندفعها للقنوات الفضائية. مئات الأفلام والمسلسلات تدس السم في العسل وأحيانا في «الشوربة» يقول أحد الممثلين لآخر: هل أنت حريص على تقديم المساعدة الى هذا الحد تظن نفسك من شهود يهوه؟ وهكذا يترسب في وجدانك ان شهود يهوه هم الذين يقدمون المساعدة للآخرين. وفي عمل آخر نرى شابا نبيلا يضحي بنفسه من أجل الآخرين، رغم ان الجميع يضطهدونه، لكن يغفر لهم، ثم يتزوج بعد معاناة من حبيبة القلب فتكتشف انه يهودي وهكذا يترسب في وجداننا ـ مرة أخرى، ان كاثوليك أميركا ليسوا أسوياء وأن بروتستانت أميركا ليسوا كما نتمنى، وأن أجمل البشر هم اليهود. وندفع للفضائيات ثمن هذا! ولكن هذا ليس موضوعنا،ولقد أنحرفنا ـ وهي ظاهرة لا علاج لها ـ عن القضية الأساسية. والقضية الاساسية هي ما حدث بعد خمسين عاما. ولكن عذرا لابد ان نشير الى ما حدث الآن وأعدكم ألا أسمح للأفكار الطارئة ان تشتت ذهني. اجتمعوا من المحيط الى الخليج ويقال في كتب التاريخ انهم التقوا هنا أو هناك، لكنهم ذهبوا الى المبنى المهيب على شاطئ النيل في ميدان التحرير. ومرة أخرى تأتي الافكار الشريرة لتشتت ذهني. فأحاول ان أحدثك عما كانت هذه المنطقة منذ سنوات طويلة وكيف كانت مقرا لقوات الاحتلال البريطاني لكنني لن أستجيب لمثل هذه الافكار. ولست متأكدا من المكان الذي التقى فيه المجتمعون لكن المؤرخين أجمعوا على انه انتهى الأمر بهم الى المبنى المهيب. ولم يشغل الاعلاميون انفسهم كثيرا بسبب انتهائهم الى المبنى بدلا من المطار. قال بعضهم ان البيان النهائي كان في حاجة الى توقيع وقال بعضهم انهم كانوا يحتاجون الى شيء يجمعون عليه وقال أحدهم انهم أتوا الى المبنى لأنه في المرات السابقة ضاعت منهم أشياء. وما يهمنا أنهم دخلوا المبنى المهيب الساعة كذا في يوم كذا ويتوقع الناس ان يخرجوا بعد ساعة أو ساعتين ووقف المصورون بكافة أنواع الكاميرات موجهة الى البوابة الرئيسية وتجمع بعض المواطنين استعدادا للهتاف للقرار الحكيم الذي اتخذوه ولم يكن قد أعلن بعد، ولكن بالتأكيد قرار حكيم. ولكن السادة لم يخرجوا من المبنى المهيب.وكان المواطنون هم أول من انصرفوا، وقد وعدوا بالهتاف في بيوتهم أمام جهاز التلفزيون. وبعدهم بيوم انصرف الاعلاميون تاركين المصورين.. الكلام ليس مهماً.. المهم الصور. سنضع عليها الكلام المناسب. فاهتموا بالصور.. وفي اليوم السابع أو الثامن انصرف المصورون وبدأت الدول تقدم الاحتجاجات على تأخر السادة المجتمعين في المبنى المهيب بميدان التحرير.. ثم خفتت حدة الاحتجاجات. وبعد شهر نسي المواطنون وغير المواطنين ما حدث في المبنى المهيب، وذلك لهول الاحداث التي مرت بها المنطقة من الخليج الى المحيط ولم ينج انسان واحد من كارثة تبدأ من سوء الحال وتنتهي الى الموت.وأجمع الناس على ان النجاة كانت على يد السادة المجتمعين في المبنى المهيب. لكنهم لم يخرجوا منه، ولم يعرف أحد عنهم شيئا طوال خمسين عاما. ولقد أثارهذا الغياب الطويل التساؤلات قيل انهم تسللوا ليلا الى الفندق المجاور حيث كل انواع التسلية.وقيل انهم أدركوا أهمية اجتماعهم، فقرروا ان يصلوا الى قرار.ولما كان من المستحيل ان يصلوا الى قرار استغرقت المناقشات خمسين عاما. بالطبع كانت الأمور قد تغيرت تماما ونسي الناس السادة المجتمعين بل جهل بعضهم أسماء الدول التي أتوا منها، فلقد زالت دول وأقيمت دول وسبحان من له الدوام. بعد خمسين عاما خرجوا من المبنى المهيب وقد طالت لحاهم حتى وصلت الى اقدامهم وصرخ الناس أنهم أهل الكهف قد خرجوا من كهفهم. وانقلبت الدنيا في ذلك اليوم بعد خمسين عاما !