الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 اذا كان اجتماع القمة العربية المرتقب سوف ينعقد من اجل العراق بصفة خاصة أليس من المنطق ان يستجاب لطلب بغداد بارجاء عقد الاجتماع الى منتصف مارس؟ هناك اطراف عربية ترى ان اجتماع القمة يجب ان يعقد في التاريخ الذي حدد له.. اي الاول من مارس. وليست هذه الاطراف بلا حجة. فهي تقول ان العرب باتوا في سباق مع الزمن مع ظهور علامات الحرب الاميركية المحتملة على العراق في الافق القريب، وان العد التنازلي للهجوم الاميركي ربما يكون قد بدأ بالفعل واذن فإن التبكير بعقد الاجتماع خير من تأخيره.. فالصواريخ والطائرات الاميركية يمكن ان تنطلق في اي لحظة. هذه حجة وجيهة دون شك.. لكن لن يكون اي طرف اشد قلقاً تجاه الحرب على العراق واكثر حرصاً على تجنبها من العراق نفسه، وحتى لو سلمنا بأنه سوف يكون للحرب اذا اندلعت تداعيات خطيرة على المنطقة العربية بأسرها، فإن الدمار الأعظم سوف يقع على العراق بالدرجة الاولى. من هذا المنظور فإن العراق ينبغي ان يعتبر «ضيف الشرف» في اجتماع القمة ـ اذا صح التعبير ـ واذا رأت الحكومة العراقية باعتبارها الطرف الاول والاصلي المعني بالأمر ان من الافضل لها تأخير موعد عقد اجتماع القمة، فإن الواجب يتطلب من كافة الاطراف العربية الاخرى التجاوب الفوري مع هذا الرأي ما لم تكن هناك اجندة خفية! الأجندة الخفية قد تتمثل في مشروع قرار معد سلفا يكون الهدف منه اضفاء غطاء من الشرعية السياسية للحرب بصورة غير مباشرة.. ان الهدف المعلن من عقد اجتماع القمة هو «تجنيب العراق وشعبه الحرب وويلاتها». وهو هدف لا اختلاف عليه بين الدول العربية، على الأقل ظاهرياً. الجميع يعلنون من حين لآخر معارضة للحرب على نحو او آخر. لكن من يتحمل عبء المسئولية اذا قامت الحرب الأميركية فعلاً؟ هنا قد تجنح بعض الاطراف العربية الى تحميل العراق المسئولية مقدماً في اجتماع القمة وهذا ليس تماماً رجما بالغيب. فقد سمعنا مرارا وتكرارا في الآونة الاخيرة تصريحات رسمية من مسئولين عرب تسجل ادانة على العراق تحت عنوان «عدم التعاون مع الأمم المتحدة» في عملية التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل والايحاء واضح فإذا اشعلت الولايات المتحدة الحرب، وهي حرب عدوانية في كل الاحوال، فإنه سيكون هناك تبرير عربي جاهز لهذا العدوان. في تفسير طلبها لارجاء عقد القمة حتى منتصف مارس، تشير الحكومة العراقية الى تاريخ 14 مارس كعلامة مهمة يجب ان تؤخذ في الاعتبار العربي. فذلك موعد من المقرر ان يتقدم فيه رئيس عملية التفتيش الدولية في العراق هانز بليكس الى مجلس الأمن الدولي بتقرير دولي شامل عن مسار تقدم عملية التفتيش وبناء على المعطيات والمؤشرات القائمة تعتقد الحكومة العراقية ان بليكس سوف يقدم في ذلك التاريخ شهادة ايجابية جديدة على تعاون العراق مع الامم المتحدة.. الامر الذي يؤدي الى المزيد من الاحباط للأجندة الحربية الأميركية. اذا انعقد مؤتمر القمة العربية اذن في وقت متأخر وفقاً لما يطلب العراق فإنه سيعقد في مناخ دولي موات للقضية العراقية وغير ملائم للتربص العسكري الاميركي. تأسيساً على ذلك فإن رفض التجاوب مع المطلب العراقي في ارجاء عقد القمة يدعو الى الاسترابة. ومما يضاعف من هذه الاسترابة ان الادعاء بأن التعجيل بعقد الاجتماع هو من قبيل استباق الحرب قبل وقوعها فعلاً، لا يخلو من مبالغة لا يسندها الواقع المرئي. بالطبع لا نعلم مقدماً الموعد المحدد او حتى الارجح لاندلاع الحرب لكننا على الأقل نعلم علم اليقين انه لن ينطلق صاروخ اميركي واحد قبل منتصف مارس.. والارجح ان يكون الاسبوع الثالث من مارس هو الاقرب من اي موعد آخر. لماذا؟ نعلم ان الولايات المتحدة وبريطانيا ومعهما اسبانيا تقدمت جماعياً بمشروع قرار جديد الى مجلس الامن الدولي يبرر بلغة غير مباشرة استخدام القوة ضد العراق. ولكن اذا تقدمت هذه المجموعة بمشروع القرار رسمياً يوم 25 فبراير فإنها طلبت ارجاء التصويت عليه حتى منتصف مارس. ولا يعقل اذن ان تعمد الولايات المتحدة الى اشعال الحرب قبل ذلك التاريخ وانما من المؤكد انه ان كانت هناك حرب فعلاً فإن موعد اندلاعها سيكون بعد منتصف مارس. وفي كل الاحوال فإن جماهير الشارع العربي سوف يرقبون انعقاد اجتماع القمة العربي اذا انعقد مبكراً في الاول من مارس، ليس بأمل او تفاؤل. وانما بالكثير من التشكك.