الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 أنعش مشروع الحرب الأميركية على العراق السياسات العدوانية لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، وأيقظ الرغبات الدفينة لديه والتي طالما أطلقها تحت عناوين : ضرورة الحسم العسكري مع الفلسطينيين باجتثاث الانتفاضة وقوى المقاومة من جهة، وبتمرير صفقة حل شامل يتجاوز حتى «خارطة الطريق الأميركية» في إطار اتفاق انتقالي طويل الأمد يتم من خلاله ترك الأمور مفتوحة إلى مدايات زمنية غير مرئية، تمكن الدولة العبرية من مواصلة عمليات الاستيطان وإحداث الوقائع الديمغرافية على الأرض. وغني عن القول بأن تواتر الموقف الأميركي عند حدوده المعروفة بشأن العراق وفر لشارون مساحة واسعة للمناورة، بما في ذلك إحلال منطق القوة على حساب منطق المفاوضات القائمة على أساس الشرعية الدولية. وزادت هذه المساحة في الظرف الراهن مع حرب «الأعصاب المشدودة» بين بغداد وواشنطن، واعلان الولايات المتحدة عن رغبتها النهائية لضرب العراق. وفي هذا السياق ارتفع منسوب التعاون العسكري الأميركي/الإسرائيلي في ميدان الصواريخ والصواريخ المضادة ليخطو متسارعاً، فتبنت وزارة الدفاع الأميركية الإسهام الكبير في عملية تطوير صاروخ «حيتس ـ السهم» المضاد للصواريخ، واعلن موشيه يعلون عن توفير الغطاء الجوي لسماء الدولة العبرية بواسطة بطاريات «الباتريوت» و «السهم ـ حيتس» كثمرة من ثمار التعاون العسكري بين الطرفين. وعليه جاءت زيارة الوفد الأمني والعسكري الإسرائيلي إلى واشنطن يوم 4/10/2002 برئاسة مدير عام وزارة الدفاع عاموس يارون، والجنرال غيور آيلاند رئيس قسم التخطيط في هيئة الأركان. إن صاروخ حيتس، ورد في النصوص الخاصة بالتعاون العسكري الاميركي ـ الاسرائيلي كملحق في برنامج «حرب النجوم ـ او ما يسمى حرب الكواكب» أو ما يطلق عليه البعض «خطة الدفاع الاستراتيجية للرئيس ريغان»، وأوكل العمل لانجازه الى الفريق المشترك من البنتاغون وقسم «حوما» في الصناعات الجوية العسكرية الاسرائيلية، بتمويل وصل إلى حدود 5,1 مليار دولار يغطيه الجانب الاميركي بشكل رئيسي، فيما تم التطوير التكنولوجي على يد الصناعات الجوية العسكرية الاسرائيلية في بئر يعقوب جنوب فلسطين المحتلة. البنتاغون أراد من الصاروخ الجديد اعتراض الصواريخ البالستية على ارتفاع عشرة كيلومترات الى اربعين كيلومترا من سطح الأرض. ومع النجاح المؤقت والنسبي لصاروخ «حيتس ـ السهم» بعد تجربة الإطلاق الخامسة، اعتبر المدير الاميركي في المشروع في مقابلة منشورة قبل مدة من الزمن على صفحات يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بأنه «لا يوجد ضمان لتوفير الحماية الكاملة للصاروخ من الصواريخ الذاتية الدفع «ارض ـ ارض». وفي إشارة إلى الصواريخ التي تحمل عناقيد من القنابل بهدف انتشارها فوق منطقة واسعة، اعتبر بأنه «لا يمكن لأحد أن يضمن ما اذا كان للصاروخ المهاجم رأس انشطاري يصعب اعتراض اجزاءه ومنع وصولها الى الأرض». كما أن الصواريخ ذات الرأس الكيماوي تستطيع أن تصل بأجزاء واسعة منها الى الارض حتى بعد اصابتها وهي تحمل المادة الفعالة الكيماوية، لذا لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن صاروخ «حيتس ـ 2» بإعتباره يعطي انظمة تسلح ودفاع متكاملة أو مطلقة، فلن يكون هناك جهاز تسلح قادر على ارادة كل شيء يأتي بإتجاهه. وتعتبرالقيادات العسكرة والامنية الاسرائيلية تطوير سلاح صواريخ الردع المضاد وأقمار التجسس مسألة على غاية الأهمية في سياق تعزيز ما يسمى بالقدرة الردعية الاسرائيلية، الى درجة تعتبر فيها بان القدرة النووية الاسرائيلية من جهة والصواريخ المضادة واقمار التجسس من جهة اخرى مسألتان متوازيتان في المفهوم الاسرائيلي لمنظومة الأمن المتكامل. إن الأسئلة المشروعة تفرض نفسها حول جدية الدولة العبرية في سعيها للسلام الشامل المتوازن، في وقت توسع فيه دائرة التسلح بكل أنواع الأسلحة وتشكل بذلك التهديد الفعلي والحقيقي ليس فقط للدول العربية المجاورة لفلسطين المحتلة، بل على دائرة واسعة تصل الى باكستان شرقاً والمغرب العربي غرباً. وكما تشير المعلومات الموثقة، يؤكد الباحثون الاستراتيجيون في الشرق الأوسط أن إسرائيل هي الأكثر تقدماً في المنطقة فيما يتعلق بتكنولوجيا الصواريخ البالستية، و يتوفر لديها صواريخ قصيرة المدى، و أنواع عديدة من القذائف الأخرى، ذات المدى القصير، ونوعان من الصواريخ ذات المدى المتوسط، وقد اعتمد في بناء أول صاروخ بالستي إسرائيلي على الصاروخ الفرنسي (داسو إم دي 660) فيما تشير إلى أنه صاروخ متحرك وذو مرحلتين و يعمل بالوقود الصلب، حيث يبلغ مداه نحو 480 كم، و قد أصبح صاروخ (يريحو ا) في الخدمة منذ أواخر الستينات و مطلع السبعينات. وخلاصة القول، إن أي عملية تسوية حقيقية في الشرق الاوسط ستبقى عملية مثلومة وتحمل عوامل الفشل أكثر من عوامل النجاح عند تجاهل ترسانة أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها الدولة العبرية، لذا لا بد من تولد مناخات دولية ضاغطة لدفع إسرائيل للرضوخ لمنطق الشرعية الدولية وازالة اسلحة الدمار. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق