الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 تابع العالم في الأيام القليلة الماضية مشهدا جانبيا من مشاهد المسرحية المعروضة حاليا على خشبة السياسة الدولية، المسرحية التي تحمل اسم الحرب على العراق. والمشهد الجانبي لا يخلو من طرافة، إن لم يصل أحيانا الى حواف الملهاة وإن كانت من النوع الذي يطلق عليه المسرحيون وصف الكوميديا السوداء. ولقد كان ويليام شكسبير، بجلالة قدره، يعمد الى مثل هذه المشاهد الجانبية الطريفة أو الكوميدية أحيانا فيسلكها ضمن فصول التراجيديات الشهيرة التي أبدعها، على نحو ما فعل مثلا في مشهد البهلول المهرج الذي يطلق ضحكات أقرب الى هذيان مجنون فيما كان الملك لير يعاني ويلات العاصفة أو على نحو ما فعل حين أضحكنا على طرائف بواب القصر الساذج الغلبان فيما كانت جدران القصر تضم جثة الملك الطيب دنكان الذي اغتاله القائد الآثم ماكبث. يجمع النقاد على أن شكسبير بلغ أوج الصنعة الدرامية حين عمد الى تطعيم شحنة المأساة بلمسة من طرافة الملهاة فكان أن زادت المأساة عمقا وزادت شحنة الحزن والاشفاق في نفوس المشاهدين. الضاحك الباكي لعل هذا هو ما أوجزه شاعر العربية الأكبر أبوالطيب المتنبي في الشطر الأخير من بيته الشهير عن أمور قد تدعو الى الضحك الممزوج بمرارة المفارقة فقال: ـ «ولكنه ضحك كالبكا». ونحسب أن المشهد الطريف الذي نشير اليه هو ذلك المزاد المنصوب بين أنقرة التركية وبين واشنطن الأميركية وبين وقائع المزاد ما يوضح كيف أن المفاوض التركي يطلب جُعلا فلكيا من حيث أرقام المليارات (نحو 26 مليار دولار) نظير تقديم خدماته الى الزبون الأميركاني. حيث يتهيأ الزبون الى ضرب العراق.. والمشهد التركي ـ الأميركي الطريف لا يقتصر على مجرد الطلب والاستجابة.. ولا هو عمد الى الاستتار خلف كواليس الاجراءات الدبلوماسية كما هو العهد بالمفاوضات التي تدور بين أطراف دولية لقد نصبوا المزاد لا حسب قواعد اللعبة السياسية أو العمل الدبلوماسي.. بل نصبوه حسب قواعد المزاد.. العلني.. فكان أن تابعته شعوب الأرض كافة بين ضغط من جانب وتمنع من جانب وبين اغراءات من جانب وإمعان في الدلال السياسي من جانب آخر.. حيث لم يقتصر الأمر على مجرد المليارات النقدية بل تعداها الى ضمانات التدخل لدى صندوق النقد والبنك الدولي لصالح الطرف التركي ولا بأس أيضا من الاشارة الى وعود أميركية بالتدخل لدى الاتحاد الأوروبي لتسهيل قبول عضوية أنقرة الكاملة بين دول الاتحاد.. ولا بأس كذلك من تذكير واشنطن بأنها لم توف بوعودها كاملة لحليفتها التركية بعد أن كانت قد وعدتها بالمن والسلوى إبان حرب تحرير الكويت والذي غطى وزاد على هذا كله أن الحليف التركي عمد في حنكة سياسية يحسد عليها الى استثمار ـ هل نقول استغلال ـ معارضة الشعب التركي ضرب العراق ـ فإذا به يطلب من أميركا ضمانات على ورق مكتوب أولا.. وصادرة من الكونجرس الأميركي ثانيا حيث لا يقتصر الأمر على وعد من رئيس الدولة ولا على رسالة من وزير الخارجية بل يلزم اضفاء ما قد نصفه بأنه الطابع المؤسسي على هذه الوعود والضمانات الأميركية التي يحرص الطرف التركي أيضا على أن تشمل ـ بالمرة ـ عدم التشجيع على اعلان دولة مستقلة للأكراد وهو أمر يؤدي في رأي أنقرة الى زعزعة الاستقرار والاخلال بتوازن القوى الاقليمي على صعيد المنطقة بأسرها. عرض مستمر يتوازى مع هذا المشهد الجانبي مشهد آخر ليس مستجدا على خشبة المسرح كما في الحالة التركية ـ الأميركية.. بل هو بمثابة عرض درامي متواصل وإن كان يفتقر الى أي روح من الخفة أو الطرافة بل هو مشهد باعث باستمرار على الادانة والغضب والرفض والاستفزاز، ذلك هو مشهد الدور الاسرائيلي ـ الصهيوني الراهن في أزمة العراق. ولقد حرصنا في مبحث سبق نشره في هذا المكان على أن نسجل ملاحظتنا حول الاستغراب الذي أبدته دوائر سياسية واعلامية وأكاديمية أميركية في أكتوبر من عام 2001 وبعد أسابيع قليلة وربما بعد أيام حين طالع الناس في جريدة «نيويورك تايمز» مقالا ملتهبا بقلم الكاتب الأميركي ذي الميول الاسرائيلية ـ الصهيونية «ويليام سافاير» يقطع فيه الكاتب السياق الذي كان سائدا وقتها وهو السياق الذي يدين تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن بتدبير كارثة سبتمبر.. فإذا بالكاتب سافاير يدعو الى ضرب العراق. بعدها اتسعت ايقاعات وتنويعات هذه النغمة وبدأت أوساط ودوائر أميركية تردد نبأ اتصال حدث في براغ عاصمة جمهورية التشيك بين عنصر قالت أنه من القاعدة ومن مدبري أحداث سبتمبر وبين مسئول في المخابرات العراقية. نشاط اللوبي الصهيوني ورغم أن أوساطا ودوائر شتى كذبت هذه الواقعة إلا أن نغمة المطالبة بضرب العراق ظلت تتردد وبشكل متعمد ومحسوب.. ويبدو أن أركان اللوبي الصهيوني المؤيد لاسرائيل استهدف استغلال التأييد العارم الذي حازه الرئيس بوش سواء من الكونجرس أو من الرأي العام الأميركي لحرب الارهاب ومطاردته واسقاط رموزه واستئصال شأفته، لصالح تحويل هذا التأييد وهذا الاستعداد الى حيث ضرب العراق وتدمير قاعدته العسكرية، بصرف النظر عن احتواء هذه القاعدة على أسلحة تقليدية أو أسلحة دمار شامل كما يسمونها. والعراق ليس دولة يستهان بها.. بل العراق دولة «دور» على الصعيد دون ـ الاقليمي وهو دور حفظ التوازن عند الجناح الشرقي من العالم العربي.. وهو أيضا دور يؤديه العراق تاريخيا بحكم وجوده ككيان جيوبوليتيكي وبحكم حركته الفاعلة ككيان ثقافي ـ تعليمي ـ معرفي ـ وتكنولوجي وبصرف النظر عن نوعية أو توجهات النظام الحاكم في بغداد. كله لصالح اسرائيل والغاء هذا الدور العراقي أو تدمير فعاليته أو حتى تقزيم حجمه إنما يصب أساسا في مصلحة اسرائيل ككيان وجسم غريب مزروع بعملية استنبات قسرية في جسم منطقة المشرق العربي. وبصرف النظر عن توجهات هذا الكيان المستورد الغريب فما بالك إذن بالتوجه الليكودي المدعوم من عناصر الجناح اليميني المتعصب في السياسة الأميركية. في كتابه المهم بعنوان «بوش يخوض الحرب» يلفت الصحفي الأميركي «بوب ودوارد» النظر الى أن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي فاجأ أركان ادارة الرئيس بوش في اجتماع مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض قائلا: ـ لماذا لا نضرب العراق اضافة الى (تنظيم) القاعدة؟ وكان ذلك في غداة واقعة سبتمبر 2001 وفي اليوم التالي عقد الرئيس بوش اجتماعا آخر في منتجع كامب ديفيد فإذا بالسيد رامسفيلد ومعه هذه المرة مساعده في وزارة الدفاع السيد ولفوفتز يثيران من جديد مسألة ضرب العراق. وهي فكرة لقيت يومها معارضة من جانب وزير الخارجية الجنرال باول وأيضا من جانب نائب الرئيس السيد تشيني الذي قال ـ على نحو ما سجله الكتاب الذي ألمحنا اليه: ـ لو هاجمنا صدام حسين لفقدنا مكانتنا بوصفنا الرجل الطيب. رأي أنتوني لويس لكن الأمور تغيرت الى حد مثير للاهتمام بل والاستغراب هكذا يؤكد محلل سياسي مخضرم هو الكاتب الأميركي أنتوني لويس (في مقالة نقدية لكتاب بوب ودوارد ـ أنظر مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس عدد 13/2/2003). يقول أنتوني لويس: ـ بحلول أغسطس عام 2002 وجدنا تشيني يدعو علانية الى شن الحرب على العراق ويرفض ارسال مفتشي الأمم المتحدة هناك باعتبار أن هذا اجراء عقيم لا يجدي فتيلا في رأي نائب الرئيس الأميركي بيد أن أنتوني لويس يتوقف عند واقعة بعينها، هي تلك التي شهدها يوم 17 سبتمبر 2001 ـ بعد أيام ستة لا تزيد عن كارثة المركز التجاري ومبنى البنتاغون فمن ناحية أولى يسجل بوب وودوارد في كتابه قول الرئيس بوش: ـ أنا أعتقد أن العراق مشارك (أو ضالع) في الأمر ولكنني لن أضربهم الآن فلست أملك دليلا في هذه المرحلة. لكن من ناحية ثانية تنشر جريدة واشنطن بوست (عدد 12/1/2003) تحقيقا بقلم «غلن كسلر» يسجل أنه في نفس ذلك اليوم ـ17/9/2001 الذي ذكر فيه الرئيس بوش أنه لا يملك دليلا على مشاركة العراق (في مأساة سبتمبر) كان الرئيس كما يقول التحقيق الصحفي، قد وقّع خطة لخوض الحرب في أفغانستان فيما وجهت الخطة الدوائر العسكرية، في البنتاغون «الى بدء التخطيط لطرح خيارات عسكرية من أجل غزو العراق». ويمضي التحقيق المنشور في الواشنطون بوست موضحا أن الرئيس بوش بعد أن وضع العراق على أجندة (الهجوم) قرر أن يبقي هذه الحقيقة سرا لا عن الرأي العام الأميركي وحسب، ولكن أيضا عن خصوم هذه الفكرة (أو معارضيها) بين صفوف الادارة الحاكمة في البيت الأبيض بمن في ذلك كولن باول وزير خارجيته شخصيا ومن ثم ـ يضيف أنتوني لويس ـ فقد ظل هؤلاء المعارضون يتداولون الفكرة ويتجادلون حولها دون أن يدركوا أن رئيسهم قد اتخذ بشأنها قراره بالفعل. صقور ادارة بوش وأيا كان الأمر فالذي لاشك فيه أنه نزل قرار الحرب ضد العراق بردا وسلاما على أركان ادارة بوش من مؤيدي اسرائيل.. دع عنك على اللوبي اليهودي الصهيوني ولجان تأييد اسرائيل الشهيرة باسم «الإيباك» في هذا السياق يقول البروفيسور ريتشارد نورتون استاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطون: ـ إن الأصوات البارزة ذات الايقاع المسموع في واشنطون العاصمة تنزع الى أن تعكس انحيازا واضحا (سافرا) تجاه اسرائيل.. وينعكس هذا بالذات بين أعضاء الكونجرس حيث التصويت «الغلط» (يقصد الذي لا يحقق مصالح اسرائيل حتى ولو أضيرت مصالح أميركا) مهدد بأن يواجه بعاصفة من الاحتجاج والتشويش والتشهير على طريقة حطم كل شئ فلا تبقى ولا تذر (يسميها البروفيسور نورتون بطريقة لا تأخذ أسرى بل اقتل الجميع) وهو ما تتسم به ـ يضيف الأكاديمي الأميركي البارز ـ استجابات وتصرفات لجنة الشئون العامة الأميركية الاسرائيلية (إيباك) بوصفها جماعة الضغط وتجمع المصالح أو منظمة اللوبي (الصهيوني) القوي في واشنطون (مجلة الوقائع المعاصرة ـ كرنت هستوري، عدد يناير 2003). استطلاع لمصلحة أميركا والحاصل أن مجلس شيكاغو للعلاقات الخارجية أجرى في العام الماضي استطلاعا لاتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة تجاه طرفي الصراع الأساسي ـ المحوري في الشرق الأوسط وجاءت نتائج هذا الاستطلاع لتؤكد ما يلي: ـ أن أغلبية ضخمة من قطاعات الرأي العام الأميركي تؤيد بغير تحفظ أن تتخذ أميركا موقفا دبلوماسيا محايدا بين طرفي الصراع: الاسرائيلي والفلسطيني. ـ إن 25 في المائة يحبذون فكرة أن تتخذ أميركا موقفا مؤيدا لاسرائيل. ـ إن نسبة واحد في المائة فقط ذكرت أنها تؤيد الفلسطينيين. ـ إن نسبة 71 في المئة (وهي أغلبية يمكن وصفها بأنها ساحقة بمعايير استطلاعات الرأي العام) أكدت أن أميركا لا ينبغي لها أن تنحاز لأي من هذين الطرفين. وقد علق ثقاة المحللين على نتائج هذا الاستطلاع بما يلي: - أنها نتائج تعكس الرأي الثاقب الواعي الذي يفيد بأنه لا ينبغي لأميركا أن تجعل اتجاه عواطفها تعوق مسار مصالحها. إنهم يتجاهلون الجماهير ورغم هذا كله فالحاصل أن صقور الادارة الأميركية يضغطون باتجاه مصالح اسرائيل. إنهم يتجاهلون الاتجاه السائد ـ كما رأينا ـ بين قطاعات الرأي العام في بلادهم الذي يطالب ـ كما رأينا أيضا ـ بوقفة موضوعية غير متحيزة من جانب أميركا لا تنحاز فيها لأي من طرفي صراع الشرق الأوسط. هو نفس المنطلق الذي وقف فيه هؤلاء الصقور إزاء المظاهرات المليونية التي تواكبت حشودها الجماهيرية في منتصف فبراير الحالي في أكثر من 600 مدينة في أركان العالم الغربي رفضا لشن الحرب من حيث المبدأ ورفضا لتدمير العراق حرصا على مواطنيه ومرافقه ومؤسساته الحيوية، دون أن يبدر من كل هذه التظاهرات الشعبية ما ينم عن أنها تدافع بوقفتها تلك عن هذا الفرد أو ذاك ممن يمسكون بمقاليد الأمور في العراق. مع ذلك.. وفيما يمعن الصقور في سلوكهم الليكودي ـ كما قد نسميه ـ سواء إزاء دعم النظام ـ الكيان الصهيوني في فلسطين، أو في تعبئة الحشد العسكري لمهاجمة الشعب العربي في العراق، فإن الرأي العام الأميركي لا يعدم عناصر مستنيرة وقوى واعية حريصة على مصالح بلادها بالدرجة الأولى. اسرائيل ودافع الضرائب وأمامنا وقت كتابة هذه السطور تقرير بقلم الكاتب الأميركي ريتشارد كورتس صادر عن جماعة تحمل اسما له دلالته التي لا تخفى وهو: ـ أصدقاء الحرية والتقرير يكشف النقاب أمام قارئيه في الرأي العام الأميركي عن التكلفة والأعباء ـ الباهظة بكل مقياس ـ التي يتحملها المواطن الأميركي العامل الكادح دافع الضرائب من أجل أن تنعم اسرائيل بدعم أميركي بالغ السخاء. في هذا السياق يقول ريتشارد كيرتس: ـ في الآونة الأخيرة بدأ الأميركيون يقرأون ويسمعون بأن «اسرائيل تتلقى 3 بلايين دولار سنويا من واقع المعونة الخارجية الأميركية.. وتلك حقيقة.. ولكنها لا تزال أكذوبة أيضا.. والمشكلة أن اسرائيل تلقت في السنة المالية 1997 وحدها مبالغ من ميزانية الولايات المتحدة ومبالغ أخرى من مصادر أميركية شتى تزيد بمقدار 8,525 مليون دولار عن مبلغ المليارات الثلاثة المذكورة أعلاه. لكن أضيف الى تلك المليارات بليونا دولار على شكل ضمانات بقروض من الحكومة الاتحادية الأميركية وبهذا فالحقيقة الصادقة تفيد بأن اسرائيل تلقت في عام 1997 وحده مبلغا يصل الى خمسة مليارات وخمسمائة وخمسة وعشرين مليونا و800 ألف دولار بالتمام والكمال. وبحسبة بسيطة يجريها السيد كيرتس يتضح في نهاية تقريره أن كل فرد من سكان اسرائيل (8,5 مليون نسمة) تلقى من كل مواطن أميركي دافع للضرائب مبلغ 23240 دولار بحلول يوم 31 أكتوبر من عام 1997. وبالمناسبة فالسيد ريتشارد كيرتس يقدم نفسه الى قارئيه على شبكة الانترنت بأنه من رجال السلك الدبلوماسي الأميركي سابقا. كما أنه مسئول عن تحرير تقرير يصدر في واشنطن ويعنى بقضايا الشرق الأوسط. ـ كاتب سياسي من مصر