الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 «انت لا تصاب بالاحباط عندما تكون في قلب الظاهرة، انما تصاب به عندما تكون خارج اطار الظاهرة» مفكر عربي بارز تظل مشاعر الاحباط والشعور بالمرارة تلاحقنا كأفراد ننتمي الى امة قدر لها ان تشهد انواعاً من التحديات والمحن، وان تمر بأزمات متلاحقة ساهمت في ابطاء عجلة التنمية الشاملة في اغلب الدول العربية والاسلامية. ورغم تنامي الوعي بأهمية الحاجة الى التغيير الشامل في البرامج والخطط الانمائية الا ان اكثر من يشعر بفداحة الاوضاع القائمة هم النخب المثقفة الذين امعنوا في قراءة الواقع وذهبوا بعيداً في اكتشاف انواع العلل والاسباب التي ادت اليه، ورأوا الصورة الكاملة لما عليه الحال. بالطبع لم يكتف هؤلاء الرموز برصد الحقائق والتعريف بها، بل ارادوا ان يمارسوا دور الطبيب المنقذ الذي يبادر لاسعاف مريضه من جرح غائر يخشى لو ابطأ في علاجه ان يتعرض المصاب لمضاعفات محتومة تتعرض حياته بسببها للخطر. لكن المفارقة التي تواجه هذه المهمة العظيمة تكمن ـ مع الاسف الشديد ـ في تلك العقبات التي تعترض طريقهم وتمنعهم من اداء دورهم على وجهه الاكمل. ان هذه المفاجأت غير السارة التي تصادف النخب المثقفة هي اعتى انواع التحديات التي يمكن ان تجتازها الامم في طريقها نحو تحقيق الذات. فليس هناك اسوأ من ان تتصدى جهات داخلية تملك ان تمنح المثقفين فرصة لتقديم رسالتهم على وجهها الصحيح الا انها تصر على غلق الابواب في وجوههم وتتصدى لهم طالبة منهم التنحي والتخلي عن مهمتهم في اصلاح مسيرة المجتمع. وبالطبع فان هذا التصادم بين النخب المثقفة وبين فئات من ابناء المجتمع هو العامل الابرز من بين العوامل الاخرى التي تؤدي الى مضاعفة الازمة وتكريسها، وتعطيها ضوءاً اخضر لممارسة دورها في نحت ضمير الامة وإعاقته عن اداء واجبه في ايقاظ الجموع شبه النائمة والمغيبة عن أدوارها منذ وقت طويل. وبعيداً عن تبرير الممارسات السلبية علينا ان نتهم هذا الاصطدام العبثي بالرموز المثقفة بأنه قرار بإفشال مشاريع التنمية، كما انه اقرار بالهروب من تحمل تبعات المسئولية تجاه تفعيل الرموز وانجاح مهمتهم في التوعية بأهداف المرحلة الحالية، والتعريف بأبجديات التغيير الايجابي في الحياة الاجتماعية والسياسية الراهنة. والغريب حقا ان ترى هؤلاء الذين يفتعلون الازمات مع المثقفين ويسعون لتجفيف منابع الفكر المتميز هم اكثر من ينادي بالتعددية وفتح المجال للمشاركة ليتسنى للجميع المشاركة والعمل. ترى لماذا هذا التناقض بين الاقوال والافعال؟ لماذا هذا الاصرار على ممارسة «تطهير فئوي» لن نجني من ورائه الا مزيدا من التراجع الى الخطوط الخلفية؟ هل بمثل هذه الاساليب غير الحضارية سوف نقترب من تحقيق احلامنا وطموحاتنا؟ هل هناك اخطر على مستقبل الاجيال القادمة من ان تفرض وصاية على العقول والافكار؟ وهل يمكن ان ترتقي امة يمارس بعض أبنائها حجراً على العقلاء في الوقت الذي يتركون السفهاء دون ان يأخذوا على ايديهم؟! بالطبع فإن ثمة ضريبة لابد ان يقدمها المجتمع بين يدي اهدافه الطموحة، هذه الضريبة بالتحديد هي ان ترفع الوصاية على العقول والافكار. وتأملوا ـ ان شئتم ـ كيف يتعامل الغرب مع مفكريهم ومثقفيهم وكيف ينزلونهم المنزلة اللائقة لتتبينوا اننا كثيرا ما نخطيء الهدف!!