الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 ان يكذب طفل صغير لإنكار مسئوليته عن كسر كوب او شرخ زجاج نافذة خوفا من «علقة» يعلم تماما ـ من تجارب سابقة ـ انها واقعة لا محالة، ويعلم كذلك ـ ومن تجارب سابقة ايضاً ـ انها علقة ساخنة لا تجدي معها توسلات ولا اعتذارات.. ولا مهرب ولا مفر منها، ان يكذب هذا الطفل او ذاك في موقف كهذا شيء نستطيع فهمه ونستطيع قبوله وقبول مبرراته، وهو في كل الاحوال معذور فهو في الموقف الاضعف كطفل في مواجهة اصحاب الموقف الاقوى والأعتى المتمثل في كل من «بابا» و«ماما» وفي يد كل منهما عصا لا تعذر ولا ترحم!! قلنا ان موقف هذا الصغير الذي لا حول له ولا قوة منطقي ومعقول حتى يجنب جسده الرقيق وقع العصا التي لا ترحم الصغار ضعاف الحيلة، ولكن ماذا عن الكبار عندما يكذبون ولا عصا تهددهم.. ولا «بابا» أو «ماما» يحاصرونهم والشرر يتطاير من عيونهم؟، وماذا عن كبار الكبار، اعني الكبار سنا.. والكبار مركزاً.. والكبار سلطة وموقعاً، حينما يتحدثون.. وعندما يصرحون.. وعندما يخطبون، فيكذبون بكل وقار.. وبكل جرأة.. واحيانا بكل وقاحة، وهم يعلمون.. وكل من حولهم يعلم.. وكل مستمع ومشاهد لهم على الشاشات الفضائية يعلم.. انهم كاذبون.. وانهم يكذبون، وانهم في كل ذلك متمكنون واثقون من انفسهم.. وواثقون اكثر من اجهزة اعلامهم ومن قدرتها على الترويج لهذا الكذب بكل الوسائل، وعلى تجميل هذا الكذب والاشادة به وبقائله: واعتبار عباراته مقولات تاريخية يجب ان تدرسها الاجيال جيلا بعد جيل. عادة يبدأ الكبار تجاربهم الاولى في الكذب بحذر وتردد وبإحساس يساورهم كلما اوغلوا في الكذب بأن كذبهم مكشوف ومفضوح، ولكنهم.. شيئاً فشيئاً يتعودون على الكذب.. ويتجرأون عليه.. ويتفننون في الضحك على ذقون شعوبهم وشيئاً فشيئاً ايضاً يبدأ الواحد منهم في تصديق نفسه.. وفي الاقتناع بأكاذيبه، ومن ثم تنتابه الدهشة بعد الدهشة عندما لا يصدقه البعض او الكل، ويبدأ في سؤال مستشاريه عن سبب تكذيب الناس له..، فهو قد اقنع نفسه بما فيه الكفاية بصدق ما يقول، ولا يرد مستشاروه ـ وهم الاعلم والادرى بحجم «الفشر» في احاديثه وبكم «النخع» في تصريحاته، وهم الذين ارضعوه الكذب حتى تعود عليه.. وهم الذين باركوا كذبه حتى صدق نفسه، وهم اخيرا الذين طالما اشادوا به كأفصح واجرأ واصدق زعماء الارض. ـ هذا كبير يقف نافشاً ريشه.. فارداً عضلاته.. مؤكداً للجماهير انه وبخ الرئيس الاميركي لموقفه المساند لإسرائيل، وذاك كبير يعد شعبه الغلبان ببيت وسيارة ومياه ساخنة لكل مواطن، اما ذلك الكبير فيتحدث واثقاً بلغة الارقام «التي لا يعلم حقيقتها الا الله ومن كتبها له» عن الوضع الاقتصادي الممتاز في البلد.. وعن التنمية التي حققت كذا وكذا.. وعن البطالة التي اختفت تماما.. وعن الاسعار التي تواصل الانخفاض.. وعن انتهاء العجز في الميزان التجاري.. الخ.. الخ..!، فكلهم واثق من انه لا احد يستطيع ان يقول له: انت كذاب، لانه لا احد يملك مفاتيح الحقائق وسط هذا الطوفان من الاكاذيب المتلاحقة..! ــ والسؤال الذي يبدو ملحا ومحيرا هو : فهمنا لماذا يكذب الصغير.. ويكذب ضعيف الحيلة والامكانيات.. ويكذب من لا حول له ولا سلطان. فما الذي يخاف منه صاحب السلطة وصاحب الصولجان؟ ولماذا يكذب الكبير ولا حسيب ولا رقيب عليه؟ ولا يكفي ان نقول ان كذبه لون من الهواية.. ولا يكفي ان نقول ان كذبه نوع من التوابل لشد انتباه المستمعين اليه.. ولا يقنع ان نقول ان اتباعه ومستشاريه هم الذين يدفعونه للكذب ويحرضونه عليه.. هناك قطعا سبب يجعل الكذب نهجا لكل من صار كبيرا.. ولكل من حملته الاقدار الى قمم السلطة..، والسبب فيما اعتقد ليس لغزا.. وليس سرا من اسرار الدولة..، واذا عرفنا ان معظم الكبار ـ ان لم يكن كلهم ـ قد وصلوا الى كراسي السلطة بأساليب ملتوية وغير شرعية، وان من وصل منهم الى الكرسي يراوده دائماً احساس داخلي بأنه اصغر من موقعه.. واصغر من ان يكون حاكما او رئيسا.. ويزيده توجسا احساسه الدائم بأن الجماهير تعرف ذلك وتنظر اليه بلا توقير ولا احترام، وتدفعه كل تلك الاحاسيس الى محاولة تكبير نفسه.. ومحاولة اثبات ذاته بالمبالغة في نثر الوعود والتلويح بالاحلام الوردية.. وكأنه في كل خطاب او تصريح من هذا النوع يؤكد لنفسه «قبل ان يؤكد للجماهير» انه كبير.. وعظيم.. وقادر.. وقاهر، ومن هنا فانه كلما زاد احساس الحاكم بأنه صغير كلما كبر جهاز اعلامه.. وتعددت وسائله لتكون كلها في خدمة محاولات التكبير.. والتفخيم.. والتعظيم، ولتكون كلها ايضاً في محاولة دائمة ودائبة للتطبيل والتزمير لكل اكذوبة يعلنها.. ولكل «فشرة» يطلقها..! الحقيقة التي تكشف السر وتحل اللغز تقول ان كل حاكم مهما كبر شأنه او علا موقعه خائف.. خائف.. خائف، وسر خوفه يكمن في ذلك الساحر العجيب «كرسي الحكم» الذي يجلس عليه الصغير فيصبح كبيراً.. ويجلس عليه الضعيف فيصبح قويا، والانتماء اليه يجعل القزم عملاقا.. ويجعل الغبي حكيما.. والجاهل عالما، وبالتالي فان التخلي عنه ـ لا يوجد عمليا من يتخلى عن الكرسي راضياً ـ يعني الضياع.. ويعني زوال الهيبة والوقار.. ويعني الهوان... ومن هنا يأتي الخوف من مجرد التفكير في الافتراق عن هذا الحبيب فهو اصعب من فراق قيس عن ليلى، واشق من فراق الرضيع عنه أمه، ومن هنا ايضاً واخيرا يصبح لا مفر من الكذب.. ولا مفر من التجمل.. ولا مفر من الخداع، ليستمر الامر على ما هو عليه وليستمر الكبير مستقرا على الكرسي.. ويبقى الكرسي مستقرا تحت الكبير..!