الخميس 26 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 27 فبراير 2003 ترى ما هي الضحية الأولى للحرب الإعلامية الدائرة رحاها على مدار الساعة، وتطلق فيها مئات القذائف المفخخة بالأكاذيب والمغالطات، على شاشات البث المباشر تلفزيونياً واذاعياً، وتُسوّد ملايين الصفحات من الصحف اليومية والأسبوعيات، وتنتهك فيها قواميس اللغة وتُقلب فيها معاني الكلمات، لتصبح الشجاعة في أفواه الكذابين جبناً، والجبن شجاعة، والعدل ظلماً، والظلم عدلاً، والحرب سلاماً، والسلام إرهاباً، والدفاع عن الحق إرهاباً وغباء وحقداً، والإذعان والذل منتهى الشجاعة والتحضر!! سؤال الضحية في حرب الكذابين من طغمة قارعي طبول الحرب الصليبية في الألفية الثالثة، ليس مقصوراً طرحه علينا نحن العرب، بل بات سؤالاً عولمياً، بقدر عولمة الأكاذيب المفخخة، وصار سؤالاً يطرحه كتّاب ومثقفون أوروبيون لم يفقدوا بعد قدرتهم على استبصار مغزى الأحداث، ولم يتنازلوا عن صحوة الضمير الإنساني لبرابرة ما بعد الحداثة وحروب «الديجيتال»! خلافاً للمرجفين من سدنة ترويج أكاذيب «هرقل» الأميركي في وطننا العربي. سؤال الضحية، موصول بحس حضاري انساني ، مهموم بحماية قدسية اللغة من هجمة شرسة تستهدف تزييف القاموس البشري، وتجريد الكلمات من معانيها، وتفخيخها بمعان مضادة لما استقر لها على مر التاريخ، لتصبح اللغة أداة للتضليل وتزييف الوعي بدلاً من كونها أداة للتعبير السليم عن الفكرة والتواصل الصحيح بين البشر. لم ننشغل نحن أمة الفصاحة والموسومة بكونها أمة الكلام والشعر والبيان الساحر، لدرجة حولتها إلى ظاهرة صوتية بسؤال انتهاك قدسية اللغة، طالما خارطتها صارت ساحة مستباحة تُنتهك فيها كل المقدسات، وقُتلت في عيون أبنائها مجرد الدهشة المحركة للمعرفة والفعل، ولا أتجرأ وأقول صرنا من فرط البلادة وتكسر النصال على النصال، لا نتألم ولا نثور... بعد أن بات حالنا كحال شاة مذبوحة.. تسلخ.. فماذا يُضيرها سلخها بعد ذبحها؟! سؤال امتهان اللغة انشغل به أوروبيون من أحفاد قادة التنوير والعقلانية وفلاسفة الحلم الانساني «الطوباوي» الذين استشعروا فداحة الجريمة التي يرتكبها أحفاد «الكاوبوي» الأميركي من أصحاب فلسفة العملة الزائفة تطرد العملة الحقيقية من السوق، طالما أثبتت نفعها وجدواها من المبشرين بعالم المصالح والمنافع والمطامع على أطلال عالم الحق والعدل والإنسانية. عندما احتشدت جوقة الكذب الأميركي لشن أعنف حرب إعلامية ضد غيرهارد شرويدر المستشار الألماني وجاك شيراك الرئيس الفرنسي، تسلحت تلك الطغمة من الكذابين بلسان مزيّف، وبذخيرة من المصطلحات المزيّفة. فلقد أصبح شيراك في نظرهم «جباناً» لمجرد انه تسلّح بالشجاعة في رفضه لحرب مجنونة تزهق أرواح ملايين الأبرياء في العراق، وصار شرويدر مثله «جباناً» لخوفه من تحمل المسئولية لفرض ارادة المجتمع الدولي، وأضيفت لشيراك سبة «انه مراب مدفوع بمصالح فرنسية»، وكأن طغمة حرب «هرقل» دعاة عدل وحقوق!! هذا التزييف دفع صحيفة «الغارديان» البريطانية للتساؤل عن معنى ارادة المجتمع الدولي التي يتهرب من تحمل مسئوليتها شيراك، هل هي ارادة المتآمرين للحرب خلف الأبواب المغلقة في البنتاغون الأميركية، أم قضبان مظاهرات الاحتجاج الشعبي الذي اجتاح أكثر من 600 مدينة في خمس قارات في 15 فبراير الجاري؟! طبعاً جوقة حرب «هرقل» لا تصغي لصوت الشارع، فهو في نظرها طنين لا قيمة له عند وضع الخطط، ويمكن محاصرته ودمغه بالارهاب، ويتكفل سدنة التبرير من فقهاء «التوسل» للسيد «كاوبوي» بقمعه في وطننا، تحت زعم وجود أياد خفية تحرك مؤامرة لهز الاستقرار، حتى وإن كان الاستقرار مجرد انعكاس لمياه آسنة وعطب وعفن يسد مجرى نهر الحياة الحقيقي.. فهل هناك من تأخذه الغيرة على قداسة اللغة ويحميها من انتهاك الكذابين؟!