الاربعاء 25 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 26 فبراير 2003 هل يحق لقادة المعارضة العراقية أن يحتجوا على خطة الولايات المتحدة لاقامة ادارة احتلالية اميركية لحكم «عراق ما بعد صدام»؟ وفي كل الاحوال هل يجدي مثل هذا الاحتجاج؟ قرب نهاية العام المنصرم عقد قادة الاحزاب والمنظمات والفصائل العراقية المعارضة مؤتمراً «تاريخياً» في لندن تبنوا في ختامه وثيقه نضالية مفصلة خولوا بموجبه لائتلافهم الدور المركزي في «كافة مراحل عملية التغيير المرتقبة» في حال سقوط نظام الرئيس صدام حسين. وعلى هذا الاساس فانهم بموجب هذه الوثيقة الجماعية قرروا رفض «أي احتلال أو اي حكم عسكري، أجنبيا كان أم محليا»، وأي وصايه خارجية أو تدخل إقليمي. كلمات قوية دون شك. ولكن يأتي الان موعد اختبار قوتها الحقيقة بأسرع مما توقع قادة المعارضة عندما اعلنت الادارة الاميركية مؤخراً خطة تتولى بموجبها القوات الاميركية الغازية بقيادة جنرال مهمة حكم العراق المستقبلي بنفسها ـ اي استبعاد اي دور للمعارضة في «عملية التغيير». وكأنما قصدت واشنطن مضاعفة الاساءة الى قادة المعارضة بنشر الخطة اعلاميا قبل ان يجتمع مسئول اميركي مع هؤلاء القادة لابلاغهم نوايا واشنطن بصورة رسمية. لقد عقد هذا الاجتماع الرسمي خلال الاسبوع الاول من فبراير الجاري في العاصمة التركية أنقرة حين ابلغ المبعوث الرئاسي الاميركي الخاص لشئون العراق قادة المعارضة بأن مهمة الادارة الاحتلالية الاميركية في العراق لن تقتصر على تسيير اجهزة السلطة العليا بل تضمن ايضا تسيير العمل البيروقراطي اليومي في الوزارات بوضع موظف أميركي على رأس كل وزارة! ولم يكن مثار دهشة بالطبع ان احزاب ومنظمات المعارضة رفضت جميعا (عدا «الحركة الملكية الدستورية») الخطة الاميركية. والسؤال الذي يطرح اذن هو: هل تعير واشنطن هذا الرفض اي اهتمام او تقييم له اي وزن؟ بالطبع لا. وهنا ليس لقادة المعارضة العراقية الا ان يلوموا انفسهم، فالتنظيم الائتلافي للمعارضة العراقية نشأ ابتداء في أحضان وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية .. هي التي تولت رعايته وتمويله وتوجيهه في اطار اعتبارات السياسة الخارجية الاميركية وأجندتها ـ وهي اجندة متحركة.. ولها ظاهر وباطن. مع ذلك يبقى سؤال: لماذا قررت الادارة الاميركية الاستغناء عن دعم ائتلاف المعارضة العراقية؟ واشنطن تتحاشى هذا السؤال. وتحاشى السؤال في مسألة كبيرة كهذه يعني ان المسألة تنطوي على اجندة خفية وصفقات سرية. ونستطيع أن نستنبط من قرائن الاحوال المتوافرة، ان الاجندة الخفية تتعلق بالمسألة الفلسطينية واسرائيل وان الصفقة السرية تتعلق بمصير الاكراد. لقد تردد كثيراً في سياق مقالات لمعلقين اميركيين ان الاجندة الخفية الاميركية لعراق المستقبل تتضمن اعتراف العراق باسرائيل من ناحية، وفتح الاراضي العراقية لاستقبال هجرة جماعية من الفلسطينيين بعد طردهم من الارض المحتلة بواسطة القوات الاسرائيلية وربما توصلت ادارة بوش الى قناعة مسبقة بأن حكومة تتكون من فصائل المعارضة العراقية ربما تعجز عن القيام بأي من هاتين المهمتين، اما بسبب الرفض واما بسبب حدوث انقسام بين قادة الفصائل تجاه المسألتين. وبناء على هذا الافتراض فإن المنطق في هذه الحالة يفرض ان تتولى الولايات المتحدة الامر بنفسها من خلال الحكم الاحتلالي الاميركي في بغداد. اما فيما يتعلق بصفقة سرية بشأن مصير اكراد العراق، فان هناك اكثر من مؤشر. ففي الاجتماع الذي عقده المبعوث الرئاسي الاميركي زلمان خليل زاد مع قادة المعارضة العراقية في انقرة قبل نحو ثلاثة اسابيع رفض هذا المسئول صراحة ان تتعهد واشنطن بالالتزام بأن يكون نظام الحكم المستقبلي في العراق نظاماً فيدرالياً. لقد كان اعتماد النظام الفيدرالي في مقدمة بنود الوثيقة التي تبناها ائتلاف المعارضة العراقية في اجتماع لندن. وكان ذلك استجابة لمطلب أكراد العراق من قبيل الاعتراف بسيطرتهم الراهنة على المنطقة الكردية في الشمال العراقي في اطار حكم. ولان تركيا ترفض اي كيان مستقل للاكراد العراقيين فإن التفسير الوحيد لرفض المسئول الاميركي اقرار النظام الفيدرالي هو ان واشنطن باتت ملتزمة بصفقة سرية مع تركيا في هذا المعنى.. علما بأن الادارة الاميركية كانت قد شاركت بصورة مباشرة عبر مبعوثها الرئاسي في صياغة الوثيقة التي اعتمدها اجتماع لندن. الان يجد ائتلاف المعارضة العراقية بشقه الكردي نفسه في العراء. لكنه لا يستطيع ان يلوم أحداً سوى نفسه. فقد وضع مصيره ومصير العراق منذ البداية في يد واشنطن.